لقد تبنى الشعب المصري لغة القرآن تبنيًا كاملًا حتى يومنا هذا، ويتجلى ذلك في عدم تأثرها بمن دخلوا مصر غازين بعد الفتح الإسلامي لها.



كنا قد تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال (اضغط هنا لعرضه) إلى بعض النقاط لمحاولة الوقوف على أسباب عدم تداول العربية الفصحى بين أوساط الشعب المصري، فتحدثنا عن بداية ظهور انحراف العامية عن الفصحى. ثم قمنا بتوضيح ملابسات تلك الدعوة المتطفلة من الدخيل الأجنبي على لغتنا. ثم بيان ألم الضربة التي تأتيك من بني جلدتك، حول اشتراك بعض العرب في هذه الدعوة الآثمة، تحت عنوان "أقسى ما يؤذيك قد يأتيك من ذويك"، وأخيرًا بيّنّا أن الحرب على العربية الفصحى قد اتخذت صورًا وآليات مختلفة؛ فلم تعد الحرب الآن كما كانت سلفًا.


محتويات الجزء (2) من المقال:


▼ الخوف على مستقبل اللغة العربية.

▼ تســـــــــــــــــــــــــــــاؤلات محيــــــــــــــــــــــــــــــــرة.

▼ لهذه الأسباب؛ لا يتداول المصريون الفُصحى.

▼ خطوات تربوية نحو تمكين اللغة العربية الفصحى.


تابع القراءة



▼ الخوف على مستقبل اللغة العربية


تشتد المخاوف من فرض اللهجة العامية نفوذها على ساحة التواصل بين المصريين، حتى أن الفُصحى تكاد لا تذكر في الحياة اليومية لدى أفراد المجتمع إلا من خلال السمع العابر أو القراءة الخاطفة لما يذكر على استحياء هنا أو هناك، فيُخشى من الوصول إلى مرحلة تحل فيها اللهجة العامية ممثلة عن اللغة الفصحى، بل حائزة على دورها كاملًا، إذ يرى دانييل هيرست (Daniel J. Hirst. 2010) أن اللهجة قد تصبح لغة، لها دور اللغة ووظيفتها بل ومكانتها أيضًا، وذلك عندما يقرر المتحدثون بهذه اللهجة التخلي عن استخدام لغتهم الأصيلة عند التواصل، ففي اللحظة التي يصبح فيها الحال لدى المتحدثين بلهجات أخرى غير لغتهم الأصيلة شيئًا مقبولًا؛ تصبح لهجتهم هي لغتهم الجديدة، وتندثر لغتهم الأصيلة.


حُقَّ لكل ذي أصلٍ أن يخاف على لغته ومنهل هويته، وأن يحمل لأجلها همّ إبرازها وإعادة الريادة لها، وإن أهل العربية في رغدٍ وافرٍ لتشريفهم من الله عز وجل بهذه اللغة التي أنزل بها كتابه الكريم، هذه اللغة التي لا تتبدل ولا تتغير كما جُلّ لغات العالم. يقول أحمد رضا صاحب (معجم متن اللغة): "لا أرتاب في أن اللغة التي حملها الفرنسيس، أيام الحملات الصليبية إلى سورية، لم تكن كاللغة التي حملها حقداؤهم إليها في هذه الأيام، وأن اللغة التي نظم بها شكسبير قصائده لا يفهمها العامي الإنجليزي اليوم أكثر مما يفهم العربي قصائد المتنبي والمعرِّي.. بينما لم تتغير لغة المتنبي عن لغة شوقي وبينهما ألف عام.." (رضا، 1958: 54). ولولا المكانة الدينية للغة العربية في نفوس المسلمين وجذورها الضاربة في عمق التاريخ الإسلامي على مستوى المجتمعات العربية والإسلامية لكانت العربية اليوم برمّتها لهجة مهددة بالانقراض.


لكن من جهة أخرى؛ يقول المؤرخون الأوائل لتاريخ مصر أن أول جيل نطق بالعربية في مصر كان الجيل الثالث بعد الفتح الإسلامي لمصر ، أي أنهم أحفاد الجيل الأول الذي شهد الفتح، وأبناء الجيل الثاني من بعده. وقد ظلت اللغة القبطية موجودة في بعض القرى المصرية -وإن كانت ضعيفة الوجود- حتى عصر محمد علي باشا.


لقد تبنى الشعب المصري لغة القرآن تبنيًا كاملًا حتى يومنا هذا، ويتجلى ذلك في عدم تأثرها بمن دخلوا مصر غازين بعد الفتح الإسلامي لها، من الكرد والترك والفرنجة والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، فلم يستطع كل هؤلاء تغيير لغة المصريين قيد أنملة، بل اضطُر الغزاة لتعلم العربية من أجل التواصل مع المصريين. لذا من المنطقي؛ استشعار الأمان على هذه اللغة المصونة، فالذي حفظها في أوج وهنها أول ما دخلت مصر قادرٌ -سبحانه- على أن يحفظها أبد الآبدين.


▼ تساؤلات محيرة


لا أدري لماذا تستخدم جرائدنا لسان العربية الفصحى في كتاباتها، وفي الوقت نفسه يُبث أكثر من 90% من البرامج المرئية بالعامية؟!

لا أدري لماذا فقرة الأخبار -بالتحديد- في وسائل الإعلام تُقال بالفُصحى دون غيرها من الفقرات؟! إلا أن هذا كان مُعممًّا قديمًا، أما الآن فوجدنا الكثير من فقرات الأخبار في بعض الوسائل تقال بالعامية الفجّة.

لا أدري لماذا يكتب الكاتب والأستاذ الكبير (س) مقالات مطولة في إحدى الصحف مستعينًا بخلاصة كلمات الفصحى وأعذبها، ثم يظهر ليلًا في برنامجه المرئي يتحدث متنطعًا بالعامية؟!

لا أدري لماذا يتهافت البعض إلى استعمال كل لفظ أجنبي مستحدث من باب الحداثة والتطور، في حين ثمة قواميس للغات أجنبية كثيرة كظيظة بالألفاظ العربية وما يزال أهلها يتحدثون بها دون استحياءٍ أو خجل؟! والأمثلة على هذه الكلمات كثيرة، ليس هنا مكانها.

لا أدري لماذا تستحيي أمّة من التحدث بلغتها، في الوقت الذي يسعى الغرب إلى فرض لغته على كل الساحات معتزًّا بها؟!


▼ لهذه الأسباب؛ لا يتداول المصريون الفُصحى


الترويج إلى إضعاف منزلة العربية في نفوس العرب -والمسلمين بالأخص- منذ القرن التاسع عشر وإلى الآن.

التسويق الدائم للّغات الأجنبية وعلى رأسها الإنجليزية، من خلال الاتفافات والمواثيق والاجتماعات الدولية، وكذلك الإعلام والسينما والدراما، والمنتجات التجارية ذات الإرشادات المدونة باللغة الأجنبية، والتي لا يمكن التعامل معها أو صيانتها إلا بهذه اللغة.

ربط العيش الرغيد والرفاهية التي يتمناها الكثير بتعلم اللغات الأجنبية، وإلصاق التأخر والفقر والانحدار نحو الهاوية بمن يتحدث اللغة الفصحى ويُبقي عليها.

إصدار عدد لا يحُصى من الأفلام والمسلسلات والأغاني باللهجة العامية منذ القرن التاسع عشر، واعتمادها لهجة رسمية لهذه المواد في مصر، وتبعتها في ذلك بقية البلاد العربية، مقابل قدر لا تكاد تذكر نسبته بالعربية الفصحى.

إدراج شرط إتقان اللغة الأجنبية ضمن شروط التعيين في بعض الوظائف.

تفاخُر البعض عند التحدث بلغة أجنبية، وانزواء البعض خجلًا عند الحديث بالعربية الفصحى.

ترميق من يتحدث الفصحى من قِبل بعض ذوي النفوس الضعيفة والتقليل منه.

سخرية البعض من الفصحى عندما يتحدث بها؛ بمبالغته في نطق بعض الكلمات، والتشديد على بعض الحروف، كما تروج الأفلام والمسلسلات الهادفة إلى هدم العربية.

تباهي البعض بمدارس أبنائهم الأجنبية واحتراف تحدثهم بلغة أجنبية.

سرور بعض معدومي الهوية من استثقال أبنائهم النطق بحروف العربية، في حين ينطلق لسانهم بغيرها.

تأفف البعض من اللغة الفصحى التي نكتب بها فضلًا عن النطق بها.

انتشار الكتابة بطريقة الفرانكو بين أوساط شباب الإنترنت في مصر والبلاد العربية إلى حدٍّ متوغل، وهي طريقة أو أسلوب كتابي يُعنَى بإبدال الحروف العربية إلى حروف لاتينية عند الكتابة، فتقرأها حروفًا لاتينية بصوتٍ ولفظٍ عربي فصيح أو حتى عامّي.

الادّعاء أن اللغة العربية غريبة على أفهام العامة، وانتشار المقولة الساذجة المعيبة "كل الناس يقرأون ليفهموا، والعربي يفهم ليقرأ".

الزعم الباطل أن اللغة العربية بدع في اللغات، وأنها لغة للكتابة فقط، ولا تصلح أن تكون لغة محكية.



▼ خطوات تربوية نحو تمكين اللغة العربية الفصحى


إن السبيل الوحيد لعودة لغتنا العربية الفصيحة إلى مكانتها اللائقة هو التمكين؛

تمكينها في جميع الدوائر الحكومية شفهيًّا وخطّيًّا.

تمكينها في التعليم بكل مراحله وعلى رأسها مرحلة الروضة، بتقنين تعليمها الطفل قبل غيرها من اللغات حتى في مدارس اللغات، وعزل الطفل عن أي لغة سواها حتى يتشبع وجدانه بلغته أولًا، وهذه نقطة جوهرية يمكن إحكامها -تشريعيًّا- بسن محدد للطفل أو صف دراسي معين، كأن يبدأ تعليمه اللغات الأجنبية في الصف الثاني أو الثالث الابتدائي -مثلًا-.

تمكينها عند التوظيف، وجعلها من أهم الميزات التنافسية لدى المتقدمين للوظائف. حتى لا يعزف الناس عن تعليم أبنائهم لغة لا تفيدهم في العمل، ولا تعود عليهم بأي نفع.

تمكينها في المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات، خاصة الرسمية، وجعلها لغة الحديث الرئيسة فيها.

تمكينها في شروط استيراد البضائع من بلاد غير عربية، بترجمة كل ما يكتب على هذه البضائع إلى اللغة العربية.

تمكينها على لافتات المحلات وفي الإعلانات، وتغريم المخالفين لذلك.

تمكينها في المعاملات والمكاتبات، فلا تكتب ورقة ولا تُعتمد إلا بها.

تمكينها لدى الكبار ممن فاتهم تعلم اليسير من قواعدها وأصولها.

تمكينها في الإعلام المرئي والمسموع، وتنقية البرامج اليومية من الألفاظ العامية المستهلكة.

تمكينها في مواجهة التهميش والسخرية والازدراء من المتحدثين بها، وسن قانون يحظر تلك الممارسات البذيئة.

تمكينها في مواجهة المتحدثين تحذلقًا من أهل العربية باللغات الأخرى، والمتفاخرين بتعليم أبنائهم لغات أحنبية، والمتباهين بصعوبة نطق أبنائهم للغة العربية ازدراءً منها.

تمكينها في شروط قدوم الأجانب والعمالة الوافدة إلى البلاد العربية.

تمكينها لدى الراغبين في تعلمها في بلادهم، بافتتاح مراكز ثقافية في جميع السفارات العربية، تُقدِّم دورات تعليمية للُّغة العربية مدفوعة الأجر، وخاصة للراغبين في العمل في الوطن العربي.

تمكينها على الأراضي العربية في مواجهة اللغات الأخرى في ظل العولمة، سواء قنوات (شركات، مراكز، مكاتب، مؤسسات..) تجارية أجنبية عابرة للقارات، أو أشخاص أجانب على أرض البلد العربية، والسعي نحو إلزام الأجنبي تعلم ما يساعده على التواصل بالعربية ما دام موجودًا على أرضٍ عربية، أو أن يتحمل هو أعباء مرافقة مترجم له، وليس العكس كما يحدث؛ بأن يتعلم العربي لغة هذا الأجنبي -مرغمًا- لأجل التواصل معه، أو أن يتحمل العربي أعباء توفير مترجم ليترجم عربيته إلى لغة ذلك الأجنبي المقيم بأرضٍ عربية أو القادم إليها زائرًا. وذلك قياسًا على الموقف ذاته إذا حدث مع عربيٍّ سافر إلى بلد أجنبي، فإنه يكون مُلزمًا بالتحدث بلغة هذا البلد، أو بتوفير مترجمٍ شخصي له.



وكما أن الأمر يحتاج إلى شجاعة في اتخاذ القرار الرسمي المناسب، المؤصَّل تربويًّا والمنمَّق سياسـيَّا، فإنه كذلك يحتاج إلى شجاعة وصرامة في التنفيذ. فهل من مغيث للعربية يلبي نداء نحيبها؟ في زمنِ كثر فيه النحيب على هويَّةٍ غابت معالمها، وعلى مجتمع صاخبٍ باللهجات المستحدثة، مائعٍ بالمفردات الباهتة القبيحة، غارقٍ في وحل الدواخل من الألفاظ الأجنبية ومتهافتٍ عليها، مرحِّبٍ بكل ما هو (إنجلِش)، مستهزئٍ بلغته وعماد هويته.



_انتهى_



___________________________

إلى هنا أحبابي القراء ينتهي الجزء الثاني والأخير من هذا المقال

الجزء الأول

___________________________


هوامش:

- رضا، أحمد. (1958). معجم متن اللغة ج 1. دار مكتبة الحياة. بيروت. ص53-54

- حسين، محمد محمد. (1971). اتجاهات هدامة في الفكر العربي المعاصر (ط.2). دار الإرشاد. بيروت

Daniel J. Hirst. (2010). Quand est-ce qu'un dialecte devient une langue?. La langue et l'être communi-quant. Hommage à Julio Murillo., Editions du CIPA, pp.179-190. (hal-02545445)


https://albayan.co.uk/MGZArticle2.aspx?ID=7825

https://www.alwatan.com.sa/article/37880

https://www.ida2at.com/legend-egyptian-slang-why-not-bury-salama-moussa/

https://raseef22.net/article/183726-دعوات-أجنبية-أيّدها-مصريون-محاولات-لت

https://www.shomosnews.com/إنهم-يريدون-هدم-الفصحى


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد فرح متولي

تدوينات ذات صلة