ما هو حب الذات؟ ذلك المفهوم الذي أصبح كل من هب ودب يتحدث عنه!

مفهوم حب الذات كان معروفا منذ العصور القديمة، لكنه كان ولا يزال يثير جدلا كبيرا حوله، فعلى سبيل المثال كان مفهوم حب الذات في الفلسفة البوذية مرتبط بالرغبات والتي كانت عندهم أصل كل الشرور. أما الفيلسوف الإغريقي أرسطو فقد اعتبر أن حب الذات أمر جيد وصحي إذا تم استخدامه لخدمة الخير والقيم العليا أما إذا كان يدور حول المصلحة الشخصية فقط، فقد اعتبره أنانية مرفوضة.

لكن استخدام كلمة حب الذات لم يصبح معروفا في العصر الحديث إلا بعد الخمسينات من القرن الماضي وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية حيث خرج الناس منها وقد أنهكهم الفقر والمرض وأدمى قلوبهم فقدان شبابهم الذين قتلوا في حروب لم يعرفوا سببها ولم يستفيدوا منها بشيء...فظهر حب الذات عند جيل من الكتاب والمفكرين يعرفون باسم beat generation  وهدفهم كان نشر الحب والسلام ورفض الخضوع لسيطرة الاقتصاد والتمرد على القيم السائدة آنذاك مثل إنكار للذات من أجل مصلحة الشعب.

اليوم لا يزال مفهوم حب الذات يثير الجدل والأسوأ أنه تم تشويهه بشكل كبير، فكل شخص يتحدث عنه حتى لو لم يكن لديه قدر كافٍ من المعرفة والوعي. والغريب أن خطاب حب الذات يتم توجيهه للمرأة فقط لأن البرمجة السائدة هي أن الرجل أناني وبالتالي لا داعي لأن نشجعه على أن يحب نفسه.

حسناً...دعونا نحلل هذه البرمجة الغريبة...

أولا: تاريخيا أثبت الرجل وعلى مر العصور أنه ليس أنانيا لأنه دائما المتصدر في الحروب دفاعا عن النساء والأطفال وكبار السن...فما يفعله كان ولا يزال أنه يضع نفسه أمام الموت من أجل أن تعيش النساء والأطفال، فهل يوجد عمل أكثر تضحية ونكرانا للذات من أن يفدينا الرجال بحياتهم؟ من أن يموتوا من أجل أن نعيش؟ 


ثانيا: لا توجد صفة ملتصقة بالرجال مثل الأنانية مع أن الأنانية صفة في البشر، فكل إنسان رجلا كان أو امرأة فيه شيء من الأنانية.... الفرق أن هناك أشخاص استطاعوا أن يهذبوا نزعة الأنا والنرجسية لديهم بينما آخرون لم يستطيعوا ذلك.


ثالثا: لا نستطيع أن نحصي مقدار عطاء المرأة أو عطاء الرجل لأن نوعية عطاءهما مختلفة وتختلف نوعية العطاء بشكل كبير أيضا بين كل إنسان وآخر حسب شخصيته وظروفه وحسب الأشخاص الذين يعطيهم.


ولنعد إلى مفهوم حب الذات مرة أخرى...إن أغلب البنات والنساء اليوم تربين على أن نكران الذات والتفاني والعطاء بلا حدود هي أمور من صميم واجباتنا كنساء... البعض أيضا تربين على أن الزوجة والام المثالية هي الشمعة التي تحترق من أجل أن تنير حياة الجميع... هناك نوايا حسنة بلا شك وراء هذه المفاهيم التي غُرِست فينا، وربما كانت صالحة لعصر ما في الماضي، لكنها اليوم تحتاج إلى مراجعة لأنها سببت ألما كبيرا لنا، ومن هنا بدأ مفهوم حب الذات ينتشر أكثر فأكثر.

لكن المشكلة في خطاب حب الذات هذه الأيام أن معظم من يتحدثون عنه يتحدثون بسطحية وبطريقة كأنها دعوة للأنانية...وكأنها دعوة للتخلُّق بأكثر صفة تكرهها المرأة في الرجل ألا وهي الأنانية، فإذا كنا كنساء نؤمن أن أنانية الرجل شي كريه جدا وإذا كنا نعتقد أن أنانية الرجل سبب كبير لتدمير الحب وهدم العلاقات الزوجية، فلماذا إذن نريد أن نكون أنانيين؟ لماذا أصبح طموحنا هو الأنانية والنرجسية؟ حتى ندمر ما تبقى من جمال وحب وسلام في الحياة؟

علينا مراجعة أنفسنا ومراجعة هذا الخطاب المشوه الذي ليس فيه شيء من الحب وما هو إلا ردة فعل انفعالية شخصية لجروح حدثت لنا كنساء، وما هكذا تُداوى الجراح والآلام.

إن حب الذات فطرة وطبيعة في الإنسان بغض النظر عن جنسه ولا علاقة له بالأنانية. وللحديث بقية. 


إقرأ المزيد من تدوينات مها نور إلهي

تدوينات ذات صلة