نحن من نصنع اللحظات لا ندع الحياة تكتب مجريات حياتنا بمفردها.

اللحظة الأولى

كنت قد خرجتْ فيها للتو أول صرختٍ لي بزعيق دوى بين أرجاء المكان كان علامة الشهقة الأولى لأول نفسٍ لي في هذا العالم، لم أكن أدرك ما يجري من حولي كنت فقط أرى الأشخاص يتلقفونني من يد لأخرى لقد كان التحديق بوجوههم أكبر همي، في اللحظة الأولى لقد استعددت جيداً ووقفت حاملاً حقيبةً صغيرةً لم تكن تضم سوى مَطَرة مياه وشطيرةً تسكت جوع طفل في الخامسة من عمره ودفتراً لكتابة بعض الحروف الهجائية كنت خائفاً.... إنه اليوم الأول الذي أكون فيه بعيداً عن أمي لمدةٍ طويلة مع غرباءٍ لا أعرف منهم أحدًا لم يكن يحزنني بُعدي عن والديْ بالقدر ذاته إذ إني معتادٌ على تأخره في العمل، ولكن كنت لا أدري سوى أني ذاهب إلى مكانٍ لا أعلم عنه الكثير، لقد فجعت بالبكاء كان يوماً صعباً علي تحمله ولكنه سار بشكلٍ أو بآخر، في اللحظة الأولى التي ركبت فيها بما يسمى قطار العمر بدأت تتسارع الأيام أمامي بدأ يزداد وزن الحقيبة التي أحملها لقد كان ملحوظاً، بدأت تراودني تساؤلات وبدأت أبحث عن إجاباتها من أنا؟؟ ولماذا أنا هنا؟؟ وماذا أريد من الحياة؟؟ لقد كنت أعود مُسرعاً للبيت حتى أنهي فروضي المدرسية وأشاهد برامج الكرتون المفضلة لدي لقد كانت أياماً جميلة جداً، لم أكن أعلم ما يحصل في حلبة المصارعة في الخارج، لقد كنا نرى رجلاً يدخل حاملاً بيده غنائم ما جنى من رزق من مأكلٍ ومشرب دون أن ندري كيف حصل عليها كم تحمل من مشقة خلال يومه ليؤمن مستلزماتنا ولكي يرى بسمةً ترد له روحه بعد عمل يومٍ شاق. في اللحظة الأولى كنا نرسم أحلامنا وفقاً لما كنا نشاهد ونسمع ونحيك قصصنا البطولية في أذهاننا لا نعلم بأي محطةٍ سنحط، رسمنا ذلك الكوخ الصغير ذو النوافذ والمدخنة تعلوه، والآن وفي هذه المرحلة أدركت كيف يكبر سقفٌ خيالي ويرتفع ليصبح الكوخ الصغير قصراً بحديقة واسعة والعديد من السيارات الفارهة كيف علا سقف أحلامنا إلى هذا الحد؟؟ أيعقل أننا جُننا أم أنا كنا نعيش أحلامًا لا أكثر؟؟ من منا يعلم؟!......كنا صغاراً لا نعي ما نفكر به ولا نعلم الطريقة التي نجني بها المال، في الخارج كان أكبر همنا أن نجد حصتنا من المصروف الذي يتركه لنا والدنا قبل ذهابه إلى العمل. في اللحظة الأولى في أول منعطفٍ انزلقت فيه بشدة لأول عثرةٍ واجهتني ضعُفت وتراجعت عن كل أحلامي وقلت في قرارة نفسي: ما أسخف ذلك الطفل بداخلي ماذا كان يُخيل له!! مرحباً أنا هنا، لقد ذِقت ذرعاً بقساوة الأيام لقد فتكت بي جسدياً ونفسياً وفكرياً لقد استخدمتني كاللعبة في يدي طفل صغيرٍ مدلل أعتاد الفتك بكل دميةٍ تمر في طريقه، لكنني صمدت وها أنا الآن أقف من جديد لأستجمع كل ما أملك من طاقةٍ وأشلائي المتبقية وأعود لأدخل نفس الحلبة التي رمتني أرضاً ولكنني عدت بشكلٍ جديد بشكل مصارعٍ متمرس قد تدرب جيداً لهذا اليوم وجاء للانتقام ويسعى للوصول إلى أحلامه التي تغيرت وتبدلت مع مرور الوقت والأحداث التي كانت قد تزينت وتجملت في اللحظة الأولى من كل رواية حاكها خيالي تبدلت لتصبح أصغر وأقرب إلى الواقع، لا يهم مدى حجم الحلم طالما نحن لدينا متسع من الوقت للعودة للنهوض وتعويض كل الذي قد فات، طالما نحمل بداخلنا شغفاً يدفع بنا لعدم التراجع والاستسلام بأي ظرف كان سنعود مع الأيام مهما قست وطغت، لنبدأ مع أنفسنا كمولودٍ جديد نقي قد عاد للحياة وفي جُعبته الكثير من القوة التي ورثها من تجاربه السابقة وأيقن أن اللحظة الأولى ليست مفتاحاً لباب الفشل وليس سبباً للاستلام، نحن من نُسيّرُ لحظاتنا أينما نشاء فلا يوجد ما يسمى بالتجربة الفاشلة بل تسمى خطوة نحو النجاح.



ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

جميلة جدا

إقرأ المزيد من تدوينات أحمد غزلان

تدوينات ذات صلة