في حياتنا نشاهد العديد من الأمور الغريبة ، ولعل النفس البشرية هي أغرب ما في هذه الحياة

منذ سنوات وأنا أراه يجلس في نفس المكان ، لا يتحرك وينادي على بضاعته برتابة غريبة فلا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، في أي وقت من النهار إذا مررت من هنا ستجده ينادي نفس النداء ، والغريب أن بضاعته تلك لم تكن سوى نوع معين من المقصات وكلها بنفس الحجم وبنفس السعر وبذلك اختصر على نفسه مجادلات الزبائن فالمقص الواحد بدينار ، لا يقبل المساومة والجدال ، تضع دينارك في يده وتأخذ مقصا وتمضي ، أكثر من عشر سنوات وأنا أراه يوميا ينادي نفس النداء ويجلس في نفس المكان لا يكل ولا يمل ، وكأن الأيام وهي تمر تتجاوزه فلا تحدث أثرها في وضعه ، لا أحد يعلم عن تفاصيل حياته شيئا ، من هو ؟ ما اسمه ؟ أين يسكن ؟ .

ولكن أنا أعرف ، هذا نموذج لمن داستهم الحياة بأقدامها ، ودهسهم قطار العوز وقلة الحيلة ، وكبر السن ، وهذا هو البديل الوحيد عن مد اليد والتسول ، وهؤلاء لديهم عزة نفس غريبة فلا يقبل الواحد منهم أي زيادة على الثمن المعروض ، وكلمتهم واحدة مستورة من الله ،  والآن وبعد سنوات اتذكره وذلك لأنني شاهدت في حياتي أكثر من نموذج لهذا الرجل يجمعهم شيء واحد هو الفقر .والغريب في هؤلاء أنهم يختفون فجأة، فلا تراهم بعدها أبدا ، وكأنهم لم يكونوا جزءا من المكان ، وفي كل مرة كنت أسأل أصحاب المحلات المجاورة عن هذا الشخص أو ذاك ولكن للأسف لا أحد يعلم عنهم شيئا ، مجهولون في الأرض ولكنهم معروفون في السماء .


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

نداء تسلميلي.. يسعد قلبك 💜💜

إقرأ المزيد من تدوينات قلمي / عبير الرمحي

تدوينات ذات صلة