كثيرا ما نضيع سنوات العمر لنلحق بحلم يبدو مستحيل ، ولكن المأساة هي ضياعه من جديد

ليته يفهم بأني لا أريد منه شيئا سوى أن يبقى على مرمى اتصال ، هذا الحلم المتأخر الذي جاء بعدما شابت الآمال والأحلام ، جاء في خريف العمر المغطى بغيوم الهزيمة والتعب والاستسلام ، حيث لم يبق من بريق شمس العمر إلا القليل.

هكذا أمضت هند صباحها وهي تحدث نفسها بهذه الكلمات وكأنها سياط تجلد نفسها بها ، فهي دائما ما تلوم نفسها على كل شيء ، ولكن ما باليد حيلة ، جلست منهكة القوى تفكر بالكلمات التي سوف تصرخ بها حالما يتصل ، كيف هان عليه أن يتركها هكذا طول هذه الفترة دون أن يطمئنها عليه ، يا له من ولد عاق . ولدها الوحيد انجبته بعد صراعات مريرة في العيادات والمستشفيات ، وكم هائل من الأدوية والهرمونات إلى أن مَن الله عليها به ، ما زالت ذكرى ولادته وكأنها اليوم ،وكيف أخذته بين ذراعيها للمرة الأولى بعدما أفاقت من المخدر بعد العملية القيصرية ، رائحته وهي تضمه إلى صدرها وقلبها يخفق فرحا رغم الوهن الذي كانت تشعر به كانت لحظات لا تنسى ، تلك الرائحة الزكية التي دخلت قلبها قبل أنفها ، ملامح وجهه ، أصابع يديه الصغيرة ، كان يستحق كل التعب والمرار الذي تجرعته ، والخوف من عدم اكتمال الحمل ، نصائح الأطباء المملة وتخوفاتهم كل ذلك هان الآن بعدما أصبح بين يديها . تنهدت تنهيدة قوية أخرجت بها بعضا من النار التي تأكلها خوفا عليه .

لا ضير سيتصل غدا أنا واثقة من ذلك .

تحركت من مكانها ومشت ببطء باتجاه السرير فالنوم هو الحل الوحيد لقطع الوقت ، وما أن وضعت رأسها لتنام حتى بدأت تراودها الوساوس والأوهام ، ماذا لو كان مريضا أو وقع في ورطة ، يا الهي لماذا كان عليه أن يسافر ويتركني ، ليتني ذهبت معه ، طوال سنوات عمره لم يبتعد عني ، وكيف يبتعد وهو قطعة من روحي ،لا أنام حتى ينام ، أستيقظ قبله لأعد له كل ما يحتاجه ، حتى عندما أخبرني الطبيب يوم ولادته بأن الولادة صعبة ومتعسرة وبأنه سيبذل قصارى جهده لينقذني أنا والجنين معا ، أمسكته من ياقة قميصه وقلت له : ولدي أنقذ ولدي أولا ثم أنقذني إن استطعت ، لأنني سأموت حتما بدون ولدي ، كانت الأفكار تدور حولها إلى أن تسلل النوم إليها رويدا رويدا ثم غطت في نوم عميق ، زارها في المنام كالعادة ،احتضنته وعاتبته عتاب المحب لحبيبه ، ثم فجأة تبخر من بين يديها . 

- كيف حالها اليوم ؟

- - مثل كل يوم! تستيقظ لتخاطب شبحا لا نراه وتسميه ولدي ، تعاتبه وتنتظر اتصاله هكذا حتى يغلبها النوم من جديد ، لا تزيد حرفا ولا تنقص حرفا .

- وهل حقا لها ولد غائب ؟

- لا أحد يعلم يا دكتور ، هذه من الحالات التي لا نعلم عنها شيئا ، كانت هائمة على وجهها في الشوارع فأحضروها إلى الدار هنا منذ أربعة أشهر وللآن لم يسأل عنها أحد


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

نداء تسلميلي 💜💜💜

إقرأ المزيد من تدوينات قلمي / عبير الرمحي

تدوينات ذات صلة