في إنجاز يفتح آفاقاً لاستخدام نباتات الأرض في الاستزراع في الفضاء، زرع العلماء لأول مرة بذوراً في تربة جلبوها من القمر.


زرع العلماء لأول مرة بذوراً في تربة جلبوها من القمر، وهي عبارة عن عينات تم أخذها خلال بعثات وكالة ناسا في عامي 1969 و1972 في إنجاز يفتح آفاقاً لاستخدام نباتات الأرض في الاستزراع في الفضاء.

 

وقال باحثون إنهم زرعوا بذور عشبة مزهرة صغيرة تسمى "الأربيدوبسس" أو "رشاد أذن الفأر " في 12 حاوية صغيرة في كل منها جرام واحد من تربة القمر «الثرى القمري» وشاهدوها وهي تنبت وتنمو.


ويختلف الثرى القمري، ذي الجزيئات الحادة والقليل من المواد العضوية، اختلافا كبيرا عن تربة الأرض لذلك لم يكن معروفاً ما إذا كانت البذور ستنبت أم لا.


وقالت آنا ليزا بول، أستاذة علوم زراعة نباتات البساتين، ومديرة المركز متعدد التخصصات لأبحاث التكنولوجيا الحيوية في جامعة فلوريدا والرئيسة المشاركة في الدراسة التي نشرتها مجلة كوميونيكشنز بيولوجي «يمكن للنباتات أن تنمو في الثرى القمري (تربة القمر).

 

هذه العبارة البسيطة لها معنى كبير وتفتح الباب لاستكشاف المستقبل باستخدام الموارد الموجودة على القمر والمريخ على الأرجح». ربما لم يكن غريباً أن يكون نموها أضعف من النباتات على تربة الأرض. كانت أيضا أبطأ نموا وأصغر حجما بشكل عام، وكانت جذورها أشد تقزما وتظهر عليها سمات تدل على الإجهاد مثل صغر حجم الأوراق ولونها الأسود المشوب بمسحة حمراء داكنة وهو شيء غير معتاد بالنسبة للنباتات التي تنمو نمواً صحياً.


كما ظهرت على النباتات علامات جينية تدل على هذا الإجهاد، بصورة تشبه ما يترتب على تفاعلات النبات مع الملح والمعادن وتعرضها لعمليات الأكسدة.


رغم ذلك كان نمو النباتات، بالنسبة للباحثين، شيئا رائعا. وقال روب فيرل، الرئيس المشارك في الدراسة، وهو مساعد نائب رئيس جامعة فلوريدا للأبحاث «تعد رؤية النباتات وهي تنمو إنجازا لأنها تعني أن بإمكاننا الذهاب إلى القمر وزراعة طعامنا وتنظيف هوائنا وإعادة تدوير مياهنا باستخدام النباتات بنفس الطريقة التي نستخدمها بها هنا على الأرض».


نبات "الأربيدوبسس


"رشاد أذن الفأر "أو "رشاد ثال" (Arabidopsis thaliana)، هو نوع من النباتات يتبع جنس رشاد الصخر ضمن فصيلة الكرنبية. وهي نباتات زهرية صغيرة وتعتبر إحدى أهم النباتات في دراسة تطور ونمو النبات، ويعدّهُ العلماء فأر التجارب النباتي. ينجز دورةَ حياته في مدةٍ قصيرة لا تتجاوز ستةَ أسابيع.

 

يُعتبر أفضلَ نباتٍ لاختبارِ تَسلسلِ الجينوم، وانطلقت شعبيته في البحوث العلمية من صغرِ مكوِّنه الجينومي.

 

أصبح هذا النبات نموذجاً لزراعة عِلْمِ الأحياء النباتي، وثبت أنه كائن حي مثالي لدراسة تطور النبات. للنبات أصغر عدد كروموسوم ومن هنا جاءت أهميته ككائن حي نموذجي ليستعمل كنموذج لدراسات علم النبات والوراثة كالفئران للعلوم الحيوانية.

 

يستعمل كنموذج في علم الوراثة وعلم الخلية وعلم الأحياء الجزيئي للنباتات المزهرة، فهو ذو حجم مورثات صغير وتخطيط تسلسل وراثي بسيط كنوع بالإضافة إلى كونه صغير الحجم وسريع النمو ويمكن زراعة عدة أجيال منه في موسم واحد فهو لا يأخذ أكثر من ستة أسابيع بين زراعة بذرته وحصاد منتوجه وهو سهل ويتقبل الزراعة في مساحة صغيرة.

 

أول من لاحظ ووثق معلومات عن هذا النبات هو ألكسندر براون عام 1873 لكنه لم يدخل المخابر بشكل جدي حتى العام 1943 وتم عام 1990 عزل الجين المورث وتم استنساخه، بواسطة فريدريك لاباخ والذي يعرف بالأب لرشاد أذن الفأر.


نشر لاباخ عام 1907 عدد كروموسومَاته واقترحه ككائن مخبري، وقد أجرت تلميذته النشيطة أرنا ريناهولز أطروحتها لنيل الدكتوراه على هذا النبات، واصل لاباخ بحوثه وساعده ألبرت كرانز، ثم تلاهما عدد لا بأس به من العلماء أمثال جون لانجريدج وجورج ريدي.

 

وقد أقيم أول مؤتمر علمي حول النبات عام 1964، وفي الثمانينات من القرن العشرين دخل من الباب العريض إلى غالبية مخابر العالم وقد رشح معه لنيل هذه الميزة كل من التبغ والذرة الصفراء وزهر البيتونيا، فشل التبغ والبيتونيا من بداية الطريق واستمرت الذرة كمنافس لكنه تغلب عليها في النهاية.


الزراعة الفضائية.. تاريخ طويل من البحوث


عندما كنت أعمل كأستاذ زائر في جامعة كليمسون الأمريكية، في بدايات عام 2003م، استضافت الجامعة عالمة تعمل في وكالة "ناسا" الفضائية لإلقاء محاضرة علمية متخصصة في علم وظائف الأعضاء النباتية، ومنذ ظهور الإعلان عن هذه المحاضرة بالقسم الذي كنت أعمل به حينئذ انتابتني حيرة كبيرة، فماذا تفعل متخصصة في فسيولوجيا النبات في وكالة "ناسا" الأمريكية لعلوم الفضاء؟


وبعد حضوري لهذه للمحاضرة المتميزة ظهر لي الاهتمام الشديد بالتفكير المستقبلي لغزو الفضاء واستعماره، وكيف تفكر ناسا وتعد خططها المستقبلية لهذا الهدف، وقناعتها التامة بأنه مثلما ساعدت تكنولوجيا الفضاء في تطوير العلوم التكنولوجية المتقدمة والصناعات الهندسية الحديثة فإنها بالمثل سوف تؤدى إلى تطوير كبير في جميع مناحي الحياة. كانت المحاضرة عن استنباط أصناف جديدة من القمح عالية الغلة، قصيرة الطول، ولها دورة حياة قصيرة نسبيًا مقارنة بالأصناف العادية، وتنمو على البيئات المغذية الاصطناعية، وقد ظهر لي جليا منذ هذا التوقيت اهتمام ناسا بموضوع الزراعة أو "البستنة الفضائية" كما سميت في ذلك الوقت، واكتشفت أن لناسا تاريخ طويل في اختبار نمو النباتات في الفضاء، ولكن كانت أهدافها أكاديمية إلى حد كبير. وشملت التجارب معرفة آثار انعدام الجاذبية على نمو النبات، ودراسة جدوى استخدام أنواع مختلفة من الضوء الاصطناعي.


خس فضائي


في الماضي، حيث تم وضع تصور لاختبار سلوك الكائنات الحية في بيئة انعدام الجاذبية، اختبرت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» نمو النباتات في الفضاء، وقد تعاونت مع نظيرتها الروسية قبل عدة سنوات لإنبات مجموعة من الخضروات والفاكهة داخل أحواض مُخصصة للزراعة على متن المحطة الفضائية الدولية ولكن لم تحاول ناسا زراعة نباتات لتقدم غذاءً طازجًا لرواد الفضاء إلا مؤخرًا وهى الجهود التى تكللت بالنجاح، وتوجت هذه الجهود العلمية البحثية الأسبوع الماضى فقط؛ حيث شاهد العالم أجمع على الهواء مباشرة تناول رائد الفضاء الأمريكى «سكوت كيلى» أول طبق فى تاريخ البشرية، مُكون من خضروات تمت زراعتها فى الفضاء. وتذوّق روّاد مقيمون في محطة الفضاء الدولية للمرة الأولى خساً مزروعاً في الفضاء، في خطوة أولى في مجال الزراعة في ظروف إنعدام الجاذبية الذي يمكن أن يستخدم لإطعام الرواد المسافرين في رحلات فضائية طويلة في المستقبل. وقال كييل ليندجرن رائد الفضاء من وكالة ناسا بعد تذوقه بعض الخس الأحمر الذي نبت في علبة خاصة في المحطة «إنه رائع». وقال زميله الاميركي سكوت كيلي «طعمه لذيذ». وهو أضاف بعض زيت الزيتون والخل على ورق الخس.


وتُعد تلك الوجبة حصيلة أبحاث طويلة الأمد تهدف إلى دراسة مدى صلاحية الأغذية المزروعة خارج الكوكب للاستهلاك الآدمى، تمهيدًا لتوفير مصدر غذاء طازج وشبه دائم للرواد، عوضًا عن نقله من الأرض، وقد فحصت الوكالة في وقت سابق منتجات الزراعة الفضائية في 2014 للتأكد من عدم تشكيلها أية مخاطر على صحة الإنسان. والمزرعة الفضائية المتواجدة في محطة الفضاء الدولية تسمى باسم "لادا" أو وحدة إنتاج الخضروات "في بي يو"، وقد بدأت هذ المحطة الاولى من نوعها العمل في 2002م في مهمتها. وجرت زراعة الخس على متن المحطة الفضائية الدولية واحتاج نمو النبات نحو 15 شهرا، باستعمال نظام متقدم يسمى "فيج 01"، والمخصص للزراعة في الأماكن الضيقة، بالاعتماد على أضواء LED حمراء وزرقاء وخضراء اللون. كما أشارت الوكالة الأميركية إلى أن الرواد سيتناولون نصف كمية المزروعة من الخس بعد تنظيفها بمناديل معقمة أولا، على أن يقوموا بإرسال النصف الآخر إلى الأرض لإجراء اختبارات تحليلية وتجارب عليه.


وتأمل ناسا ووكالات أخرى أن يمهد هذا المحصول لزرع أنواع أخرى من النباتات في الفضاء وفي وقت أسرع، ليتم استخدامها في رحلات الفضاء الطويلة على غرار التي يُجرى التخطيط لها حاليا إلى كوكب المريخ، كما تتوقع ناسا أيضا في أن يشكل هذا النجاح خطوة في سعيها لتأمين مصادر غذائية متجدّدة للرواد الذين قد يسافرون في المستقبل الى وجهات بعيدة، ولاسيما الرحلة المأهولة التي تأمل تنفيذها في السنوات أو العقود المقبلة الى كوكب المريخ نظرًا لأن وجود الأطعمة الطازجة في الرحلات الفضائية قد يكون له أثر نفسي جيّد على رواد الفضاء، إضافة الى كونه مصدر حماية من الإشعاعات الكونية. ومن المتوقع أن أنظمة الزراعة في ظل إنعدام الجاذبية ستكون من العوامل المهمة لكل الرحلات الفضائية، وأنه سوف يكون من الضروري زراعة المحاصيل الغذائية التي توفر لبعثات رواد الفضاء طعامهم خارج مدار الأرض للبقاء على قيد الحياة، فرحلة فضائية إلى كوكب المريخ قد تستغرق عاماً على الأقل، سيكون من الصعب معها حمل احتياجاتهم من الطعام التي تكفيهم لمثل تلك الفترات الطويلة، لذلك فسوف يتم زراعة المحاصيل الزراعية على متن المركبات الفضائية وعلى سطح القمر والكواكب. وفي المستقبل حيث يمكن أن تستنفد الحياة على الأرض ويتم استعمار الفضاء الخارجي، سيحتاج العلماء إلى إعادة التفكير في عملية زراعة الغذاء وناسا تستعد بالفعل لهذا اليوم.


ومؤخرًا، زاد اهتمام العلماء ووسائل الإعلام بالحديث عن التقدم في هذا المجال البحثي، بعد أن اختبرت ناسا بشكل تطبيقي عملية إنتاج الغذاء في المدار، في محطة الفضاء الدولية على بعد 230 ميلا فوق الأرض، وبعد نجاح زراعة النباتات بالفعل داخل الغرفة المجهزة التي تسمى «لادا» ، التي تم تطويرها في شراكة بين مختبر الديناميكا الفضائية الأمريكية والمعهد الروسي للمشكلات الطبية الحيوية، وتم زراعة عدد من المحاصيل الزراعية مثل القمح والبازلاء، والتي نمت في الفضاء دون أي آثار جانبية ملحوظة، كما تم تجربة زراعة بعض النباتات على سطح القمر وكوكب المريخ بتقنية الزراعة المائية، حيث تكون النباتات قادرة على النمو من دون تربة، إذ يتم تزويدها بالماء والعناصر الغذائية اللازمة لها في صورة سائلة.


حدود الزراعة الفضائية


وحدود زراعة المحاصيل في الفضاء هي مفتاح حيوي لبقاء الجنس البشري في المستقبل إذا أراد أن يغزو الفضاء الخارجي. وأياً كان شكل المزارع الفضائية في المستقبل فإنها سوف تكون جزءاً لا يتجزأ من برامج استكشاف الفضاء التي ستصبح بلا قيمة دون توافر مصدر للغذاء المتجدد كالذي تقدمه المزارع الفضائية. ويحتدم السباق الآن بين الشركات الحكومية والخاصة لتطوير تقنيات لزراعة المحاصيل الغذائية على المحطات الفضائية، وسفن الفضاء، وحتى على كوكب المريخ. وتهدف زراعة الفضاء إلى زراعة محاصيل الغذاء ونباتات أخرى في الفضاء، لكن زراعة القمر أو المريخ لن تواجه مشكلة شبه انعدام الجاذبية التي تعترض زراعة الفضاء الحقيقي.


ومن شأن استصلاح الفضاء وزراعته أن يساعد على خلق بيئة دائمة للنباتات يمكن فيها إعادة تدوير مياه الصرف الصحي والمخلفات البشرية وتنقية الهواء على متن سفينة الفضاء. وهذا يؤدي في الأساس إلى تحويل سفينة الفضاء إلى نظام بيئي صناعي به دورة هيدرولوجية إلى جانب إعادة تدوير المواد الغذائية. وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف قام بعض العلماء في مركز جونسون الفضائي منذ سنوات عديدة بوضع أحد خبراء الكيمياء في حجرة محكمة مربعة الشكل طول ضلعها عشرة أمتار وقد احتوت على مزرعة قمح صغيرة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة وبعد أسبوع خرج الكيميائي من تلك الحجرة المفرغة من الهواء وهو في صحة جيدة فقد كان اعتماده في التنفس على غاز الأكسجين الذي أفرزته المزرعة النباتية الصغيرة. وكانت هذه التجربة ضمن برنامج فضائي للاعتماد الذاتي تشرف عليه فرق علمية من الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وروسيا، ويهدف إلى تطبيق الحياة الطبيعية على الأرض أثناء الرحلات الكونية وفي ظروف الفضاء الشديدة التعقيد.


وقام فريق علمي من مركز جونسون الفضائي بإنشاء أول نموذج لهذه الحاويات الفضائية. وقد شجع النجاح الهائل الذي حققته هذه التجربة في أن يفكر العلماء بطريقة أكثر اتساعًا وهي إحلال نباتات مزروعة بدلا من خزانات الأكسجين التي يحملها رواد للفضاء. وتدعيما لهذه الجهود العلمية أجرت ناسا تجارب لإحلال النباتات مكان خزانات الأكسجين في الرحلات الفضائية المأهولة، فوضعت نباتات البطاطس في خزانات مغلقة تمامًا ومضاءة صناعيًا ولمدة تزيد على العام لدراسة كمية الأكسجين المنتج بهذه الطريقة، فتبين إمكان الحصول على أكثر من احتياجات رواد الفضاء خلال رحلتهم مع توفير الغذاء على أن يتم الري بطريقة ترشيح المياه المستخدمة في الرحلة بعد أن تنقى ويعاد استخدامها. والمحطة الفضائية الدولية قريبة من الأرض، ويتم تزويدها بشكل دوري بالماء والطعام، وتتم فيها عملية إعادة تدوير لعدد من المواد كالماء على سبيل المثال. وتتم معالجة الماء كيميائيا بقوة، ويتم ضخه مجددا في دائرة مياه المحطة الفضائية. وينسحب الأمر نفسه على الأوكسجين، الذي تتم إعادة تدويره داخل المحطة بواسطة المعالجة الكهربائية، إذ يتم تمرير تيار كهربائي في الماء، فيتم فصل الأوكسجين عن الهيدروجين، وبعدها يُضخ الأوكسجين داخل مقصورة المحطة، أما الهيدروجين فيتم التخلص منه في الفضاء.


زراعة المريخ


قد يتوجه رواد الفضاء يوما ما إلى كوكب المريخ، وعندها ستكون الرحلة طويلة وسيحتاج المرء إلى الغذاء وإلى الأوكسجين للتنفس، وفي حال قضاء رواد الفضاء فترة طويلة في كوكب المريخ ستكون الحاجة ماسة للغذاء والتنفس، مما يجعل جلب الطعام والأكسجين من الأرض أمرا مكلفا يتعين معه البحث عن حل في الفضاء ذاته. وماذا لو قرر الإنسان استكشاف عوالم أبعد في الفضاء؟ في هذه الحالة لن يكون بوسعه التعويل على الأرض. ولذلك يعكف العلماء حاليًا على تطوير نظم حيوية ستمكن من الزراعة في الفضاء، وفي المركز الألماني للطيران والرحلات الفضائية يتم اختبار نظم بيولوجية ذاتية تُستعمل فيها الطحالب، لأنها تمكّن من تحويل الزفير إلى أوكسجين قابل للاستنشاق. ولن يقتصر غذاء رواد الفضاء على الطحالب فقط، فالطماطم وبعض الأنواع الأخرى من الخضر يمكن أن تنمو في أنابيب زجاجية مملوءة بالحمم البركانية المبَرّدة، التي تساعد النباتات على مد جذورها، إضافة إلى وظيفتها كسماد. بل وحتى الأسماك يمكن اصطحابها للفضاء وجعلها جزءا من الدورة الحيوية.


وتكمن المشكلة الكبرى في إنجاح مثل هذه الأبحاث في الوصول إلى تحديد لمدى الفترة الزمنية التي يمكن أن تمد بها هذه المزروعات رواد الفضاء من الغذاء والأكسجين. والعيش لفترات طويلة في الفضاء لا يتطلب فقط توفير الكميات المناسبة من الأكل والشرب والأوكسجين، بل يتعين أيضا نقل كل ذلك إلى الفضاء، علما أن نقل رطل واحد إلى محطة الفضاء الدولية يتكلف حوالي عشرة آلاف دولار، وكل رطل زائد يحتاج لطاقة إضافية وكلفة زائدة. ولذلك يفكر العلماء من الآن في بناء "نظم حيوية ذاتية" تعمل بشكل مستقل ويكون بمقدورها إنتاج الأوكسجين والهيدروجين والماء والطاقة بشكل ذاتي في الرحلات الفضائية البعيدة. وللطحالب وظائف متعددة، إذ يمكن استخلاص عجينة منها، غنية من الناحية الغذائية.


وقد تمكن الطحالب من توفير عشرين في المائة من الحاجيات الغذائية لرواد الفضاء. ويتم استخلاص الماء من البول، بحيث لا تبقى في الأخير إلا كمية صغيرة مركّزة، يتم إرسالها فيما بعد إلى الأرض. ولا يراود العلماء أي شك في نجاح أبحاثهم في الزراعة الفضائية، لكن المشكلة هي في إدامة هذه العملية وقدرتها على توفير الغذاء لسنين عديدة. ومن المتوقع أن يكون لتقنيات الهندسة الوراثية دورًا فاعلًا في عالم الفضاء لحل المشاكل التقنية المتوقعة. ولكن يساور العلماء مخاوف من تأثير البقاء الطويل في الفضاء على التغذية البشرية وطبيعتها، واحتمالات نقص الكالسيوم في العظام بسببها، وأضرار الإشعاعات الكونية، أو حدوث كارثة قد تؤدي إلى هلاك هذه المزروعات، ولهذا صمم العلماء نظام احتياطي للإنقاذ يمكن الاستعانة به لحين إصلاح الأضرار وإعادة الدورة البيولوجية ثانية على ظهر المركبة الفضائية.


خمس نقاط


يمثل التزود بما يكفي من الطعام على متن مركبة فضائية متوجهة إلى المريخ وما يليه أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا. لذا فإن مستكشفي الفضاء سيضطرون إلى زراعة خضرواتهم الخاصة، إذا أرادوا زيارة أماكن لم يزرها أحد قبلهم. وربما يبدو هذا الأمر ضربًا من الخيال العلمي، ولكن الإنجازات العلمية قد تقود الإنسان في المستقبل غير البعيد إلى الوصول إلى المريخ. وحتى القمر له جاذبية خاصة لدى العلماء والباحثين الذين قد يرغبون في قضاء وقت طويل هناك. وعندها سيحتاج الإنسان إلى قواعد فضائية لفترات طويلة، وهو ما يطرح أسئلة لوجستية، وتكنولوجية، وعلمية بالغة التعقيد. ويرى العلماء بحسب مجلة "فوكس" العلمية المتخصصة، أن هناك خمس نقاط تمكن أي بعثة من الزراعة الفضائية للوصول إلى كوكب بعيد. وأولى هذه النقاط تتعلق بإيجاد حل للتربة، التي من شأنها أن تتطاير في أرجاء الفضاء. والوسط الأمثل لذلك هو مواد مسامية تستطيع امتصاص الماء والعناصر الغذائية على حد سواء.


والنقطة الثانية ترتبط بالضوء. فلإعطاء النباتات الضوء الذي تحتاجه، توفر الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، المعروفة اختصارا بـ "إل إي دي"، أكبر قدر من التحكم. وضوء الشمس هو خيار للرحلات التي لا تتجاوز المريخ، وبالرغم من أنه لا يكلف شيئا، لكنه يعني مزيدا من الوزن، لاحتياجه إلى كابلات ألياف بصرية، لتوجه الضوء إلى داخل المركبة الفضائية. أما النقطة الثالثة فتتمحور حول إيجاد حل لحالة انعدام وزن الماء. فزراعة حديقة على سطح القمر أو المريخ أسهل من زراعتها على متن مركبة فضائية لأن الماء يطفو في أنحاء المكان في ظل انعدام الوزن في الفضاء، وهنا يأتي دور المادة المسامية، التي من شأنها أن توفر الماء والعناصر الغذائية للنباتات. وتتعلق النقطة الرابعة بالاعتناء بالنباتات، ويفكر العلماء في أتمتة الزراعة الفضائية عن طريق كاميرات تراقب لون النباتات، ويمكن لأجهزة الاستشعار أن ترصد مستويات العناصر الغذائية والماء، فضلا عن درجة الحرارة والرطوبة.


والنقطة الخامسة ترتبط بأدوات الزراعة. فمن شأن مزارعي الفضاء، أن يحتاجوا إلى أدوات لغرس البذور وحصد المحاصيل، ومن المتوقع أن تكون الأدوات مماثلة لتلك التي نملكها على كوكب الأرض، ولكنها ستكون مصغرة، وذات طاقة منخفضة. أما عن المحاصيل التي يمكن زرعها على متن المركبات الفضائية، فإن أفراد طاقم محطة الفضاء الدولية يزرعون بالفعل نباتات، مثل الخس والريحان، بغية إتقان فن الزراعة في ظل الجاذبية الصغرى. ويمكن زراعة الفراولة، التي سبق أن تمت زراعتها في الفضاء، والتي تحتاج إلى قدر أقل من الضوء، مقارنة بالكثير من غيرها من المحاصيل، والسبانخ، التي لا تتطلب الكثير من العناية، والبطاطا الحلوة، التي تمثل محصولا أساسيا مثاليا بسبب غناها بالطاقة، وفول الصويا، الذي يمكن أن يدخل في العديد من الوجبات، والخس، الذي تمت زراعته بنجاح في محطة الفضاء الدولية، والقمح، الذي تمت زراعته أيضا في محطة الفضاء الدولية، والذي يحتاجه رواد الفضاء لتحضير أغذية رئيسية، مثل الخبز والمعجنات.


وهناك طموحات وبرامج أخرى لها نفس الهدف ولكنها تختلف في التطبيق، ومن المؤمل أن تؤدى أبحاث العلماء الخاصة بتطوير الزراعة الفضائية إلى تطور فهمنا للنباتات وكيفية تحسينها وراثيًا وتطوير طرق إنتاجها، والتوصل إلى العديد من الابتكارات التقنية في جميع المجالات العلمية المرتبطة بهذه البحوث لتساهم في تحقيق هذا الهدف المنشود. وبينما توفر هذه التجارب العلمية الفضائية نظامًا بيئيَا يشكل ثورة خضراء في عالم الفضاء فإنها تطور التقنيات الأحدث التي تمكننا من مواصلة استكشاف نظامنا الشمسي، مما سيكون له عظيم الأثر على تطور الزراعة في كوكبنا الأزرق أيضًا، لأنها ستوفر دروسًا مهمة لزراعة المناطق شبه الجافة على الأرض، وعلى غيرها من المستعمرات البشرية الفضائية في المستقبل القريب بإذن الله.




مصادر:


د. طارق قابيل (2015). حدود لا نهائية للزراعة الفضائية.

https://arsco.org/article-detail-715-8-0


مجلة كوميونيكشنز بيولوجي 


رويترز


إقرأ المزيد من تدوينات د. طارق قابيل

تدوينات ذات صلة