مع ازدحام يومنا بالأحداث المتسارعة خلال النهار والعودة للمنزل لخوض الروتين المسائي، يهرب الكثير منا إلى أحضان الروايات قبل النوم ليشبع خياله قليلا بعد أن كاد يُخنق خلال اصطدامه مع الواقع اليومي، والناس على اختلاف مشاربهم في حبهم للروايات، إلا أنهم يتشاركون في نظرتهم إلى أهمية أن يخوضوا كقارئين تفاصيل الرواية في خيالهم، فيحيى بعض البشر تفاصيل الرواية في جنان تخيلاتهم، بل ينسجون منها أحلام تلاحقهم في نومهم قبل أن يستيقظوا ليعودوا إلى واقعهم اليومي.

كم مرة أحسست أنك لم تتشبع من رواية فتقرأها مرة أخرى، وقد يقرأ البعض نفس الرواية مرات تَترَى، لكن اليوم سأحدثكم عن القليل من القرّاء الذين يأخدون الأمر لأبعاد جديدة، أبعد من الأحلام وإعادة القراءة، أشخاص يحملهم عشقهم وشغفهم لرواية معينة للسفر بعيداً ليزوروا أماكن أحداث الرواية لبناء الصورة الكاملة للأحداث، ولا أخفيكم سراً: أنا أحدهم! بل أعتبر التيه في مدينة مطاردا بلهفة أحداث رواية هو أسعد أيامي. ولما تشاركت مع عشتار (صديقتي) في حب الروايات كان من أجمل مفاجآتي لها أن أصطحبها لمكان أحداث رواية عالمية قديمة تعلقت بها شغاف قلبها منذ حين. ذات مساء اصطحبت عشتار لزيارة بروكسل واحتساء القهوة في "غاليري القديس هوبرت الملكي" وبعد أن جلسنا سألتها: "بتعرفي مين كان بيجلس على هاي القهوة ويكتب؟"لم تدري عشتار أن هذا السؤال سوف يبنى عليه أمسية ذات تفاصيل غير اعتيادية في رحلة اصطياد مصادر الإلهام لأحد أهم الأدباء في العالم، رويدا رويدا بدت الحيرة على مُحياها تزداد مع كل تخمين خاطىء قبل أن أُميط اللثام عن الجواب: إنه "فيكتور هوغو"، فمملكة بلجيكا كانت دولة محايدة منذ القرن التاسع عشر، لذا كانت ملجأ للكتاب المعارضين لبطش الدكتاتوريات الأوروبية. ويعد أشهر هؤلاء على الإطلاق كاتب ملحمة البؤساء. فقد كان "فيكتور هوغو" عاشق للجلوس هنا في الغاليري والكتابة، بل وتحديدا قد كتب رواية البؤساء هنا لتدور أجزاء من أحداثها في غابة الأحلام في جنوب المدينة حيث مُنيّ عدوه اللدود "نابليون بونابرت" بهزيمته النكراء الأكبر في معركة "واترلو". وكان بيت فيكتور في بروكسل ليس بعيدا عن المكان، فما أن انتهينا من القهوة وبلهفة الأطفال سرنا على خطوات هوغو بين جنبات الغاليري المرصع بالرخام الإمبراطوري الأحمر الشهير، وتماثيل آلهة الإغريق، والقبو الزجاجي نصف الدائري؛ والذي يحمل ضوء النهار للداخل ليداعب الرخام في لوحات ضوئية جميلة. ثم مررنا سوية على مسرح الغاليري حيث عرضت الرواية كعمل مسرحي وسينما الغاليري والتي نالت نصيبها من الرواية أيضا خلال التجسيد السينمائي، قبل أن ننتقل سويا للساحة الكبري في المدينة من خلال شارع ضيق مكتظ بالسياح الباحثين عن الشوكولاتة بين جنبات حوانيته، وحين وصلنا للساحة الكبيرة، مذهبة الأركان والأعمدة والتماثيل؛ حيث سكن فيكتور هوغو في قصر حجري على الجهة الشمالية الشرقية من الساحة لنكمل أضلاع مثلث التنقلات اليومية لفكتور من بيته إلى الغاليري، حيث كان يحتسي القهوة ويقابل صديقة الشاعر والأديب الفرنسي ألكسندر دومى، والذي شاركه رحلة اللجوء إلى بلجيكا هربا من بطش نابليون برموز مثقفي الثورة الفرنسية. في نهاية الزيارة وبعد أن تقاذفت سفينتنا أمواج الخيال وحياكة التفاصيل، بحثاً عن كل ما ألهم عبقري الرواية الفرنسية والعالمية، وقبل أن نغادر الساحة، أشرت لها إلى منزل في الساحة تعتليه نجمة سداسية وسألتها: "بتعرفي مين عاش هون؟!"حسنا، سأخبركم أكثر عن هذا المكان في تدوينة قادمة.