كتب لي جياب أبو صفية: "علاء أبو دياب قادم إلى لندن لعرض الستاند أب كوميدي، ولم لا تأتي؟""حسناً يبدو أن الوقت حان لزيارة عاصمة الضباب" قلت لنفسي، لكن هذه الزيارة تحتاج لواحدة من أعقد تأشيرات الزيارة في العالم، "حسناً، سأتقدم بالطلب اليوم" أجبت جياب. وبعد دقائق كنت على مكتبي أتقدم بالطلب الممل الطويل الذي أوصى أصدقائي أن أقدمه في الحال، ولم يفلح إلا القلة في الحصول عليه من المرة الأولى، وليتسنّى لي مشاهدة علاء علي أن أتقدم سريعاً، وأطلب موعداً قريباً حتى إذا جاء الرد أستطيع التقدم مرة أخرى بعد تعديل الأوراق المطلوبة. وقد كان الموعد في السادس عشر من نوفمبر ٢٠١٨. وليكن.ولأني أردت أن أحصل على الفيزا كانت مرفقات الطلب ٤٢ ورقة تدعم حجتي القوية في زيارة عاصمة الضباب لمدة ثلاثة أيام. أرفقت معها تذكرة عرض أبو دياب، وتذاكر المتحف الوطني حيث سأقوم بتصوير فيديو لصول وجول يوم السبت. في المقابلة كانت الأمور عبارة عن صورة وبصمات ولا شيء آخر، حيث لم تكن في السفارة بل في مكتب يجمع الملفات ويرسلها لقنصليّة بريطانيا في عاصمة النور.


صورة توضيحية في الطريق إلى السفارة حامل الأوراق المطلوبة


بعد عشرة أيام بالتمام والكمال (تخللها نهايتا أسبوع) وصلني إشعار أن الرد على الطلب قد تم، وأن الجواز في الطريق إليّ، ولم يغمض لي جفن ليلتها؛ لأن النظام الإلكتروني الذكي الإنجليزي لا يمنحك أي معلومة عن طبيعة الرد، ووجب عليك انتظار رجل البريد وطلّته البهيّة ليمنحك ظرفاً مغلقاً بإحكام فيه الرد.في صباح اليوم التالي، كنت قد أصبت بالإنفلونزا ليلتها، ولم أنم وصابني الصداع، ولكن ذلك كله لم يمنعني من الذهاب للعمل. جاء الظرف مع رجل البريد، وفي اللحظة التي وقّع إمضاءه على الجهاز فتحت الظرف، وكان فيه كيس بلاستيكي صغير محكم الإغلاق. قلت: "يال الإنجليز نالهم ما نال الآخرين من سوء معاملة وطول الرد ليدخل ذلك الكيس الصغير مع الجواز... أو أن الجواز عليه التأشيرة.... استعذت بالله من الاحتمال الثاني وفتحت الظرف لأجد جوازي بمفرده بداخله... هل نسي الموظف أن يمنحني ورقة التوبيخ أن بعض المعلومات ناقصة وعليك تعبئة طلب جديد!؟" ضحكة عالية قطعت الصمت الفلمنكي الرهيب في المكتب، حيث يعمل الجميع بجد واجتهاد حيث لا تسمع شيئاً سوى حثيث الأصابع على لوحة المفاتيح، وطرقات الأصابع على الفارات، وصوت ضعيف جداً للموسيقى تتسرب من خلف السماعات السميكة على آذانهم. ضحكة عالية قطعت كل هذا الجو الصامت، وقفز الجميع من مكاتبهم ليشاهدوا ماذا حدث. وفي نشوة وزهو قلت: "أخدت فيزة بريطانيا" نظر إلي الجميع باستغراب: "وهل تحتاج فيزا لبريطانيا؟ ولماذا أنت في هذه الحالة من النشوة؟" حسنا أقراني في المكتب يحملون جميعاً جوازاً بلون الدم القاني (بوردو) عليه شعار ملك عادل مذهّب مكتوب بثلاث لغات: الفرنسية، والهولندية، والألمانية (الاتحاد الأوروبي- مملكة بلجيكا) عدة كلمات ترفع الكثير من الحواجز وتذلل العقبات وقد حصلوا على هذا من دون تعب أو كلل. وُلِدوا حاملين جوازاً يتربع في منصة أفضل عشرة جوازات في العالم تحت أي مصنف ووفق أي تقييم. هنا ذهبت النشوة لديّ لأرتدي قبعة المعلم القادم من وراء البحار؛ لأخبرهم قصة لم يسمعوا بها في سالف الأقران: أنا لاجئ ابن لاجئ ابن لاجئ.. من بلاد ليس لها دولة اغتُصبت في جهار النهار فحملت سفاحاً بلقيطة الزمان: دولة الكيان المسخ.عاد الجميع لعملهم وفي أذهانهم ألف سؤال لا يمكنهم الإجابة عنه، والسبب بسيط: لقد وُلِودوا هنا، عاشوا هنا، ولا يتخيلون إلا هذا الواقع الوردي، وكل تضامنهم مع مآسي العالم لا يقع إلا ضمن إنسانيتهم لا إدراكهم لحقائق الأمور. إلا أنا عدت لعملي وفي ذهني سؤال واحد... كم سألبث في أقبية التحقيق في هيثرو، حيث يضمن القانون لجوء الحدود التحقيق معي ثماني ساعات مجبراً على التعاون التام مع المحققين قبل أن يمنحوني إذن الدخول، أو يلقون بي في أول طائرة إلى بلجيكا أجرّ أذناب الخيبة.في هيثرو بكرت جرياً إلى حرس الحدود، علّني أنتهي من التحقيق باكراً، وأكون بين الحضور في العرض. في غمرة دقائق ودون أسئلة خُتم جواز السفر مع ابتسامة جميلة من رجل اشتعلت لحيته شيباً، وزيّن رأسه بعمامة السّيخ أتبعها بالإنجليزية: أهلاً وسهلاً بك في لندن. وهنا غادرت القاعة الخامسة في هيثرو، لا يتردد داخل رأسي سوى شعر أبو العتاهية:  ولعل ما تخشاه ليس بكائن **** ولعل ما ترجوه سوف يكونولعل ما هونت ليس بهين **** ولعل ما شدّدت سوف يهون”