مع فجر يوم مشمس في ديسمبر ٢٠١٦ استقليت سيارة دفع رباعي مُحملة بمؤنة أربعة أيام من الماء والطعام لأربعة أشخاص متوجهاً إلى الشمالية - هكذا يحلو لأبناء السودان تسمية الولاية الشمالية في السودان - على الطريق توقفت لإصطحاب رفقة السفر والذين عانوا الأمرّين للإستيقاظ ساعة قبل الفجر لنلحق بموعدٍ ضربناه مع الشمس على تلال الشمالية التي تحوي بين طياتها كنوز حضارة أرض كوش

أمام يافطة الطريق السريع في الشمالية في وداع الطريق الأسفلتي واستقبالا للطريق الوعرة

بعد ساعتين و نيف من القيادة على الأسفلت ثم الطرق الوعرة داخل الصحراء والتوقف بين الفينة والأخرى حين يغمرنا كرم أهل الشمالية بالحلفان بأغلظ الأيمان أن نحتسي معهم الشاي وهم يفترشون الأرض أمام السيارة، وكأن إغداق كرمهم واجب لا يمكنهم مواجهة رفضنا له، فكُنّا نستسلم لهذا الكرم الحاتمي وننزل بينهم أهلاً نحتسي معهم الشاي ويحدثونا عن طبيعة الحياة ويسألوننا من أين نحن؟ وكان جواب فلسطين يزرع حباً إضافياً على كرمهم الأصيل، ولكننا كنا نرد بلطف دعوتهم إلى الطعام لأنا ضربنا موعدا مع شمس الشروق على سفوح ((النقعة))، وهي منطقة معابد شهيرة في وسط الصحراء فيها ٤ معابد كوشية، ثلاثة منها قائمة شاهدة على تاريخ عريق لهذا البلد والرابع مُدمَّر يرثو حال الآثار العربية المهملة،  ولولا وجود بعثة من الآثار الألمانية منذ سبعينات القرن الماضي من جمهورية ألمانيا الديموقراطية DDR أو ما كان يعرف بألمانيا الشرقية للحِقَت المعابد الثلاثة بذاك المعبد القتيل.

معبد آمون رع

 أيادي التخريب امتدت لآثار السودان في الشمالية منذ أكثر من قرن، تارة بيد ناهبي الآثار الأوروبيين وتارة بيد تجار الأثار المحليين والعرب، وبغض النظر عن ظروف التدمير لكن جمال المعابد الثلاث الأخرى مبهر، واحتفاظ الحجر الرملي بكل هذه التفاصيل بعد آلاف السنين محط تقدير وإبهار في الوقت الذي تغزو فيه عمارة مقيتة ميتة شوارع مدننا العربية لا تصمد طويلاً برغم كل هذه التكنولوجيا التي نملكها اليوم، وقد استوقفني معبد آمون-رع كثيرا لجماله وأعمدته من حوله وبواباته وقدس أقداسه (الغرفة السرية الكهنوتية)، وكان المعبد مهدم جزئياً لكن قدس الأقداس كانت مبنية من بناء جديد وكأنها مستبدله وبعد جولة تصوير من عشرات الصور خرجنا منه إلى التلال القريبة حيث حالفنا الحظ لرؤية صقر الجديان، وهذا حدث نادر وهو طائر رشيق ذي سيقان طويلة كتلك التي تمتلكها عارضات الأزياء، يكتسي بريش أبيض وأسود وكأنها ملابس سهرة من تصميم كوكو شانيل مع قصة شعر غريبة تطل من خلف رأسه، طار إلى أعالي السماء لنسمع صيحة من (عمنا) -كلمة تستخدم في السودان للإشارة للرجل الكبير في السن من باب الإحترام- قائلاً: "إنتوا محظوظين... الطير ده نادر ما ينشاف" سلمنا على الرجل ثم نظرنا حولنا فلم نرى سوى رمال الصحراء فكنا قد توغلنا خلف شغفنا في التلال خلف المعبد وصعدنا أعاليها مرة تلو مرة وابتعدنا عن السيارة والمعبد، فلاحظ (عمنا) أننا لوهلة قد استشرفنا أمر جد خطير... لقد ابتعدنا، سأل بهدوء: "رايحين المعبد!؟" وكأنه لا يريد إحراجنا وهو يعرض علينا مرافقتنا لسيارتنا، أجبناه بالإيجاب بصوت واحد من ثلاثتنا، فأشار بيده أن إتبعوني. وبعد نصف ساعة كنا في الكشك الروماني وهو المعبد الثاني في سلسلة المعابد قبل أن نزور المعبد الثالث القائم في أقسى شرق النقعة وبمرافقة عمنا الذي لم يتدخر جهدا في الشرح وبيان جهود البعثة الألمانية في المحافظة على الأثار التي طالتها يد العابثين بالنقش على جدرانها، قبل أن نتوجه بالسيارة إلى المصورات والأهرامات شمالا وجولة جميلة في الصحراء استمتعنا فيها بهدوء اللاشيء.

صقر الجديان (صورة مجهولة المصدر)

منقوشات البعثات على جدران المعبد الروماني

على ظهور الجمال في منظقة مروى بجانب مدينة شندي

 وبعد سنتين ونيف من تلك الزيارة وخلال عيد الفطر هذا العام غادرت إلى برلين قاصداً متاحفها مع صديقتي عشتار وكنا قد حددنا برنامج مكوكي لزيارة المتاحف في اليوم الماطر خلال إقامتنا قبل أن تكون سهرتنا في حفل محمد عساف في برلين، ومن الجدير بالذكر أن برلين لديها ١٧٥ متحف تحتل أهم المتاحف فيها جزيرة المتاحف في قلب المدينة بالقرب من ميدان ألكسندر، وليست مفاجأة أن وجدنا طابوراً طويلاً أمام المتحف الذي نشاطر المئات الرغبة برؤية معروضاته ومقتنياته، وبعد وقوف لدقيقة واحدة في الطابور المقيت، حيث بدأ العقل بالتفكير كيف يمكننا الاستفادة من الوقت وأن لا نستنزف وقتا في طابور طويل، ”هل نقرأ؟!“ فأنا وعشتار نقرأ سويا بصوت أحدنا ونناقش ما نقرأ ولكن هذا مقام غير مقام القراءة.. إننا نزور مدينة لرؤية المتاحف لا الوقوف على أبوابها وكأننا على باب حائط المبكى، ثم لمعت لدي فكرة: أن اشتري التذاكر من الانترنت، وقد كان الموقع معقد نسيبا من شاشة الهاتف فخرجت من الصف وطلبت من عشتار أن تتبعني، وذهبنا لأول متحف بلا حشود وفي الطريق سألتني: "بشو بتفكر؟" أجبتها: "بالتأكيد توجد تذاكر موحدة تسمح بالدخول لكل المتاحف في الجزيرة، لنبحث عن متحف من دون صف نشتري التذاكر ونعود أدراجنا وندخل من الأبواب الجانبية دون انتظار الطابور المقيت" وبالفعل بعد اقل من خمسة دقائق كانت الخطة تمت على أكمل وجه، وبتذكرة موحدة لكل المتاحف في الجزيرة تكلفتها ١٨ يورو دخلنا لرؤية كنوز أرض كوش، وكانت لحظة فارقة في العمر.... فوجدت أجزاء من المعابد المهدمة في النقعة هناك، وهل تذكرون حديثي عن قدس الأقداس في بداية المدونة تلك التي ظهرت وكأنها حديثة البناء، حسنا وجدت الأصلية هنا في متحف العصور القديمة في جزيرة المتاحف في برلين... لحظات من الصدمة حيث جمال قدس الأقداس ونقش الكنداكة الشهير (والتي ذاع صيتها مؤخرا) عليها عارية النهدين تماما كالصورة الأسطورية المتداولة منذ مئات القرون للكنداكة التي تلبس لباس الرجال وتحكم كملكة لواحدة من أقدم الحضارات التي لعبت المرأة دور الملكة فيها في العالم.

 لا أخفي عليكم استمرار الصدمات أمام الكثير من المقتنيات في المتحف التي جُلبت من السودان قبل أن نذهب إلى رأس نفرتيتي سويا حيث جمال إمرأة سَحر العالم لقرون واضعاً معايير الجمال العالمية على المحك، وكي تكتمل صورة الصدمات في متحف برغامون كان لزاماً وأنا بصحبة صديقتي عشتار الفلسطينية أن نبحث عن بوابة إله الجمال والحب: عشتار البابلية، ووجدنا البوابة قد نقلت كما هي بألوانها الزاهية وأسودها وكِباشها كاملة مكتملة مع أول شارع بوليفردي في التاريخ الذي كان يقود إليها، وفي الزاوية حجر حمورابي وكنوز عدة من العراق. بعد هذه الزيارات ذهبنا لشراء التذكارات من متجر المتحف ولم استطع مقاومة مجسم بوابة عشتار وكأس عليه نقش القماش الحلبي الشهير وحين هممت بمغادرة المكان اضطربت مشاعري، ما بين شعور بالحزن على هدم معبد في السودان ووجود بقاياه وبقايا معابد أخرى هاهُنا في برلين وبين سعادتي برؤية هذه الآثار محفوفة بالرعاية تحت سقف واحد على جزيرة واحدة، فاستشعرت تيه في الأحاسيس.. فلا الغضب تملكني، حيث إن تركت لنا هذه الآثار كان من الممكن أيكون حالها كحال غيرها من الأثار التي طالتها يد الهدم ومعول التخريب، ولا الغبطة فعلى النقيض لو أن هذا الإرث الانساني في بلادنا العربية لكان مصدر للمعرفة ولربما كنا سنتيقن بشكل أفضل تاريخنا وأهميته في التاريخ البشري ومصدر دخل لآلاف الأسر التي ستُقتات على السياحة حيث يرحل الملايين إلى برلين لزيارة متاحفها. عاجلني صوت رجل الأمن يطلب من الجميع المغادرة فنظرت في عيناي عشتار التي كان الغضب يقدح شراراً منها على تجرأ المستعمر بأن يسرق سور مدينة وبوابتها وسوقها ويعرضها بكل وقاحة في وضح النهار. حاولت أن أهدئ من روعها لكنني فشلت حتى باغتتنا شمس برلين بلا موعد معانقة وجوهنا بعد يوم ماطر في طريق العودة إلى المنزل لترتدي عشتار نظارة الشمس على عيناها و يغيب عني وعن من حولنا غضبها.