من كان يظنّ أن عاماً سيقلب الموازين؟ في نقطةٍ ما، بعيدة عن كل ما تعرفه، وكل من تعرفه، يلقي أحدهم بكلمات على مسمعك فتظل تسمع صداها مدى العمر.

دخلنا المصعد وأيدينا متشابكة تستعد للفراق، حين انضمّ إلينا شابٌّ يحمل في يده باقة ورود. منذ شهر فقط، كان زوجي حاملاً الزهور لاستقبالي، والآن يُودّعني، فيما يُضربُ لغيرنا موعد مع اللقاء. ابتسمتُ في سرّي للمصادفة اللطيفة ثمّ انصرفنا إلى وداعنا على عتبة مطار كولمبوس الدولي، مطار عاصمة ولاية أوهايو الأميركية.


ولأنّنا غالباً خائفان من التأخّر، وصلتُ باكراً، بل أوّلاً، إلى قاعة الانتظار. وبينما أنا جالسة أفكر، وإذ بزوجين أميركيين كبيرين في السنّ يتقدّمان نحو القاعة ثمّ يجلسان قبالتي تماماً. عجوز وزوجته، غربيّا السّحنة، كما لو أنّهما خارجان من فيلم أميركي (وهذا أقرب وصفٍ ممكن بالنسبة لعربي!)، يبتسمان لبعضهما بين الفينة والأخرى فيما يجريان التوصيلات اللازمة لشحن أجهزتهما الخلوية.


 كنتُ متوجّسة من نظراتهما إذ يبدو أن حجابي غريبٌ بالنسبة إليهما، إلا أن قررا تبادل أطراف الحديث معي كوننا الوحيدين في انتظار الطائرة حتى ذلك الحين. كانا عفويين إلى حد كبير، حيث استرجعا لي قصصاً من طفولتهما، ثم أخبراني أنّ كلّاً منهما تزوج مرةً أولى، وانفصل عن شريكه، ثمّ تزوج كل منهما ثانية، وتوفي عنهما شريكاهما، ثم شاءت الأقدار أن يجتمعا فيتعارفا ثم يتزوجا.


كان زواجهما قد أتمّ قرابة العشرين سنة حتى ذلك الحديث، وكانا متوجّهين لزيارة ابنها في بلاد بعيدة، حيث "يجلس سائقو السيارات في الجهة اليمنى"، والطقس ربيعي جميلٌ، ومدير ابنها يجد أنّ "والدة أيٍّ كان تستحق أن ترى ابنها وإن كانت تسكن خارج البلاد"، لذا فقد ابتاع لها تذكرة سفر ليؤمّن حصول ذلك.


سألتني: " هل من يقود السيارة في بلادكم يكون يميناً أو يساراً؟". ضحكت، ففي بلادي يفترض أن يقود السائقون سياراتهم في الجهة اليمنى من الطريق، إلا أنه يمكنك أن تجدهم دون استغراب يساراً، فأوضَحت: "أقصد هل يجلسون في السيارة جهة اليمين أو اليسار؟". إبّان تلك المحادثة، كانت السيارات لا تزال تسير وفقَ العادة. لم يكن أحد يتوقع أن حظر تجوال سيُفرض لسبب آخر غير الحرب، ولا أنّ زحمة السير ستتقلص لشهور، ولا حتى أنّ الطلب على الفيتامينات في الصيدليات سيصبح في منافسة مع الطلب على الخبز.


قبل أن يزيد منتظرو الطائرة، ويتشتت انتباه العجوزين وحديثهما، وبعد أن استفسرا عن البلاد التي آتي منها، والتقاليد والثقافة وكل ما قد يكون جديداً عليهما، وجّها لي نصيحة ظلت ترنّ في رأسي طوال طريق العودة: 


"إذا فتحتِ عينيك صباحاً، ووجدتيه بجانبك، واستيقظ هو الآخر، فتلك نعمة لا تُقدّر بثمن".


والواقع أنّ هذه الجملة، كلّفت هذين الزوجين عمراً وخسارات حتى ينطقاها بهذه الثقة والإصرار، إلا أنّها على بساطتها كانت درساً مهماً من دروس الفيروس الذي اجتاح الكوكب كما لو أنّه مخلوق فضائي لا يُعرف له مسارٌ ولا عمرٌ ولا مَقتل. كان ذلك في شباط 2020، وكانت الطائرة ستحطّ في سويسرا قبل أن أستقلّ أخرى بعد سويعاتٍ إلى بيروت. يومها، كانت الإصابات الأولى قد تأكدت في سويسرا وفي لبنان، وكانت الكمامة ضيفاً خجولاً في المطارات.


في محفظتي كنتُ أحتفظ بعدة كمامات حصلنا عليها –زوجي وأنا- بعد بحثٍ مضنٍ في عدة صيدليات ومراكز تسوق. كما كان لا بد من علبتين أو ثلاثة من المعقمات وأخرى لتعقيم الأسطح. لكنني في الواقع لم أستخدمها حتى وصلت إلى سويسرا. ولأن لا متّسع في حقيبتي للمعطف، ارتديته رغم عدم الحاجة إليه، وبذا ارتفعت حرارتي، وأصبحتُ صيداً لميزان الحرارة الذي يًفترض به أن يكشف إصابة المسافرين بالفايروس عند كل نقطة تفتيش.


أصدر ميزان الحرارة طنينه كلّما مررت، ولا أنا فهمتُ ماذا به، ولا المسؤول عنه أوقفني. كان العالم على نشرات الأخبار يتنبأ بكارثة، بينما واقع المطارات –التي مررتُ بها على الأقل- لا يكاد يختلف عن عادته، ولا تكاد تجد للفايروس أثراً فيما عدا حديث سيدات لبنانيات يتناقشن في قاعة الانتظار عمّا إذا كان الفايروس يصيب الأطفال أم لا، هذا إذا تغاضينا عن أن أطفالهن كانوا يلعبون على الأرض ويتسابقون بين سيقان المسافرين.


كانت عودتي إلى بيروت بغرض استكمالي العام الدراسي في التعليم والتعلم، ولم يكد ينتهي الأسبوع الأول بعد وصولي إلى لبنان حتى أُغلق البلد وعُلّقت النشاطات الحضورية وانتقلت كل الدروس إلى العالم الافتراضي، وصارت عودتي دونما أي جدوى. مع مرور الأيام، كانت أعداد المصابين تزداد كما تكبر كرة الثلج حين تتدحرج من أعلى التلة، وكان السباقُ للتأقلم وتقبّل الواقع وضمان استمرارية الحياة بأشبه ما يكون من الطبيعية. وبين هذا وذاك، كانت نصيحة الزوجين الأميركيين تزداد واقعيةً وشمولية.


"إذا فتحتِ عينيك صباحاً، ووجدت عائلتك بجانبك، واستيقظوا هم أيضاً، فتلك نعمة لا تُقدّر بثمن".


بالرغم من كل الصعوبات التي واجهها اللبنانيون إثر انهيار العملة الوطنية وما تبعها من تداعيات الإغلاق القسري، إلا أن أجواء العائلة أخذت حقّها بعد أن كانت المشاغل تأكل منها وتُسرِف. على الصعيد الشخصي، بدأتُ روتيناً صحياً واستمتعت بتجربة زراعيةٍ على مدى عدة أشهر، وكذلك كان أصدقاء كُثُر يستفيدون من وقتهم ويعززون مهارات لم تكن بالحسبان حسبما لاحظت من وسائل التواصل الاجتماعي.


كانت قرارات الدولة بما يخص التعليم الرسمي غير قابلة للتوقع، مما أدّى إلى اضطراب وقلق دائمين لدي الطلاب والأهالي والكوادر التعليمية. وحين بانت الأمور وتجلّت القرارات، هدأت النفوس بطلوع شمس الصيف وازدياد القدرة على الخروج والتفسّح في الهواء الطلق، ولو أن الكمامة والمعقم سيكونان الرفيقين الدائمين في المشاوير والرحلات


لم يكد شهر آب يدق الباب، حتى انفجرت سنوات من الفساد والإهمال في ناس بيروت ومبانيها، ارتدّت موجات الانفجار حتى وصلت قلوب كل اللبنانيين في أصقاع الدنيا. فقد البعض منازلهم، لكنّ الأكثر خسارة كان من فقد قلباً كان يمثّل الحياة له. أصبح في ذاكرة كلّ شخص صورة عن خسارة، إن لم نقل جرحاً نازفاً.


انقضت الأشهر الأخيرة من عام 2020، وكل مشاريعي للإنتاجية والإيجابية على حافة الانهيار. الأمل بانتهاء كابوس الفايروس بدأ يتلاشى، والانصياع المؤقت للواقع الافتراضي أصبح فرضاً بعد أن كان خياراً.  بدأ الاختبار الحقيقي: كم سنصمد بعد؟ ولماذا أراني أعيد كتابة خطة عام 2020 للعام الذي يليه دونما فارق كبير؟


تعود إليّ كلمات الزوجين الأميركيين بتعديل بسيط:

"إذا فتحتِ عينيك صباحاً، ووجدت عائلتك وأحباءك بجانبك، واستيقظوا هم أيضاً، فتلك نعمة لا تُقدّر بثمن".


إذن، هذا العام، كان نجاحاً أن نستيقظ كل يوم ونجد من نحب قد استيقظ أيضاً. لعلنا في العام الجديد نستيقظ على واقع أفضل، وإلى ذلك الحين تذكروا نصيحة الزوجين الأميركيين. 


دمتم بخير


حنان فرحات

بيروت 1-1-2021

إقرأ المزيد من تدوينات حنان فرحات

تدوينات ذات صلة