لقد ظهرت المخدرات وعُرِفت منذ العصور القديمة، فوُجِدت مرسومة على جدران الكهوف والمعابد، حيث كانت تستخدم في السابق لتخفيف الآلام وعلاج بعض الأمراض ولكن إساءة استخدامها جعل منها مواد سامة خطيرة قاتلة ومميتة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه - وحتى في الفترة التي كانت تستخدم فيها المواد المخدرة للعلاج وتخفيف الآلام - لم يكن تعاطيها بالكم أو الكيف الشائع الآن، وإنما كان ذلك عن طريق الاستشفاء بأصول تلك المواد؛ أي من النباتات التي تستخرج منها كنبتة خشخاش الأفيون، شجرة الكوكا، ونبات الكنابيس (القنب الهندي) وغيرها. وفي هذا تبرز الحكمة الإلهية من خلق هذه النباتات؛ فحاشا لله - جلّ في علاه - أن تكون قد خُلِقت لاستحضار المواد المخدرة، وإنما كانت حكمته في أننا - نحن بني البشر - لا غنى لنا عنها. فمنها تستخرج الأدوية والعقاقير ومنها تحضّر مواد التخدير وغيرها. ولكن إساءة استخدام هذه النباتات من قِبل أصحاب النفوس المريضة وعبيد المال عديمي الضمير والأخلاق، جعل منها أداة خطِرة لإنتاج المواد المخدرة.


وفي مقالتنا هذه؛ سنتطرق إلى نوع من أنواع المواد المخدرة هو الأكثر انتشارًا في العالم  حسب تقارير منظمة الصحة العالمية والهيئات العالمية؛ ولأسباب عديدة - لا مجال للحديث عنها في هذه العُجالة - جعلته يحتل المرتبة الأولى في الانتشار : إنه الحشيش المخدر!


يستخرج الحشيش المخدر من نبتة تسمى القنّب الهندي، وتزرع في المناطق الاستوائية والمعتدلة، ويترتب على تعاطيها كثيرٌ من الأضرار الجسدية  والنفسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وسأحاول هنا التركيز ما أمكن على بعض الحقائق المتعلقة بهذه المادة وخطرها على جسم المتعاطي، وبخاصة تأثير المادة الفعالة في الحشيش وهي Tetra Hedro Cannabinol (تترا هيدرو كانابينول ) ،  وتسمى دلتا - 9  ، ويرمز لها بالرمز T.H.C وتوجد بنسبة 2% في نبتة القنّب، وهي التي تُحدِث التأثيرات العقلية والنفسية بالإضافة إلى المادة الأخرى المتواجدة في النبتة وهي  دلتا- 8 وإن كانت نسبة وجود هذه الأخيرة ضئيلة. وهذه المواد تحدث تغييرات بيولوجية في خلايا الجسم، وتعشق الدهون فتدخل في الدم، وتبحث عن الأماكن الغنية بالدهون في الجسم مثل الخصيتين والمخ - الذي يتكون ثلثه تقريبًا من الدهون - وتصبح مثل الضيف الثقيل حتى تعود إلى الكبد بواسطة الدم، وتتكسر إلى مُركبات بسيطة فتترك الجسم عن طريق البول والفضلات، وفي دخولها وخروجها للجسم تؤثر على وظائف الجسم فتُتلف الرئتين والقلب والجهاز التناسلي والمخ وجهاز المناعة. ولا توجد مادة أكثر من الحشيش يستمر مكونها وتأثيرها في خلايا الجسم، ولذلك يظهر أثرها في تحليل البول خلال مدة تتراوح ما بين 3-4 أسابيع تمتد إلى 40 يوم بعد التوقف عن تدخين الحشيش (بعد آخر جرعة).


هذا ويظهر تأثير تعاطي هذه المادة المخدرة خلال بضع دقائق بعد التدخين، ويستمر من 2 إلى 5 ساعات، ويشعر متعاطيه بشعور وهميّ بالراحة والاستمتاع، كما أنه يٌفقِده القدرة على التركيز والملاحظة، ويؤثر بشكل مباشر وفعال على الجهاز العصبي، ويجعل المتعاطي يشعر بالجوع الشديد، فيضطر المتعاطي إلى تناول كميات كبيرة من الطعام وبنهم، وبخاصة الحلويات، كما يجعل المتعاطي يعيش بحالة هستيرية تدفعه إلى الضحك والقهقهة لأتفه الأسباب؛ كونه يعمل على تخدير المراكز الدُّنيا من المخ، كما أنه يصيب الجسم بالهزل والضعف، ويصبح الجسم أقل قدرةً على مقاومة الأمراض، كما يعاني مُدمِنه من الربو والسعال المزمن.


وبسبب الحشيش وإدمانه تتغير صورة الرئتين وحجمهما، كما أن متعاطيه يشعر باضطراب وهَلاوِسَ حسّيّة وسمعية وبصرية، فيرى المتعاطي الأشياء بغير حجمها الحقيقي، وتضطرب المسافات في نظره، كما أنه يشعر ببطء الوقت وطوله. وهُنا أتذكر قصةً رواها أحد زملائي ضباط الإدارة؛ عندما وردت إليه معلومة من أحد مصادره عن وجود شخص يتعاطى المواد المخدرة في مكان ما داخل بيته، الأمر الذي دفع الضابط إلى التحرك والتعامل مع تلك المعلومة. وعندما دخل إلى بيت المتعاطي وألقى القبض عليه، وفي اللحظة التي هَمّ بها الضابط وأفراد القوة المرافقة له بالخروج من المنزل وبرفقتهم الشخص المدمن، أخذ ذلك الأخير بالصراخ والاستجداء، وبدأ يتوسّل إلى الضابط، ولم يكن خوفًا منه أو من الموقف أو السجن وما شابه، ولكن بدا خوفُهُ ظاهرًا عندما قال: "مشان الله سيدي أنا راسي كبير وما بقدر أطلع من هذا الباب" !! ظنًّا منه أن حجم رأسه أكبر من فتحة الباب الصغيرة الضيقة. وبالتأكيد ما كان ذلك إلا من أثر مادة الحشيش التي كان يتعاطاها، وما خلّفته من هلاوس بصريّة جعلته يرى الأشياء بغير حجمها الحقيقي.


هذا بالإضافة إلى أن مادة الحشيش المخدر تعمل على زيادة إفراز مادة الأدرنالين لدى المتعاطي، تلك المادة التي يزداد إفرازها عند التعرّض إلى مواقف الخوف والرعب. وعليه؛ فإن متعاطي مادة الحشيش - وكما بيّنته الدراسات - هو الأشدّ جُبْنًا والأكثر خوفًا بين فئة المتعاطين، حيث يشعر المتعاطي بحالة من القلق والخوف وعدم الثقة بالآخرين،  ظنًّا منه بأنهم سيبّلغون عنه الأجهزة المعنية بالمكافحة.


بالإضافة إلى ما سبق؛ فإن للحشيش تأثيرٌ سلبيٌّ على الأجِنّة والأجيال المستقبلية، ويمكن أن يوقف الدورة الشهرية لدى النساء المتعاطيات. كما يؤدى إلى انخفاض مستوى هرمون الذكورة في الدم، مما يؤدى إلى تأنّث الجسم، وإلى الضعف الجنسي  عند الذكور؛ كوْن المادة الفعالة فيه تتركز وتتخذ من دهنيات الخصيتين موطناً لها كما سبق وأسلفنا.


هذا وقد بينت بعض الدراسات أن الجرعة الواحدة من الحشيش أو الماريجوانا تعدِل من (110 - 115) جرعة من جرعات التبغ (السجائر)، وأن أثرهما يدوم في رئتي المتعاطي تسعة أضعاف دوام مادة التبغ.


بقي لنا أن ننَوّهَ إلى أن مصنّعي المواد المخدرة يلجؤون في العادة إلى خلط المواد المخدرة بمواد مغشوشة بهدف زيادة الكمية وتحقيق الأرباح المادية؛ مما يزيد من قذارة هذه المادة وخطورتها.

بعد ذلك كله؛ يأتي من يدّعي أن تعاطي مادة الحشيش المخدر أمر عادي، وأنه مَدْعاةٌ للفرح والسرور، أو كما يسميه البعض (زهزهه)! ولكن أيُّ زهزهةٍ تلك التي تكون في معيّة مثل هذه القاذورات ؟!


نسأل الله تعالى أن يُتِمّ علينا نعمة العقل، وأن يَمُنّ على من لا عقل له بعقل سليم يتفكّر ويعتَبِر.والله وليُّ التوفيق.