الثَّبات؟. هل نحتاجه؟. ولماذا نحتاجه؟. وكيف نثبُت؟.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

دائما ما كنت أقول -خاصة أثناء حديثي مع نفسي-: العبرة ليس بمعرفة الحق والصراط المستقيم وإنما الالتزام به و"الثبات" عليه، والعودة إليه مهما اشتدت أمواج الفتن والشبهات والشهوات، مهما انحرفت يجب أن تترك بابا لتعود منه، أن تحفظ خطا للعودة ألا تبتعد كل البعد.


الثبات هو التحدي الحقيقي، وليس المعرفة والعلم والعمل فقط، أن تثبت على الحق هو المعضلة الحقيقية، وهو ما نحارب أنفسنا من أجله، الكثير جدا يعرفون الصراط المستقيم ويعرفون الحق، لكن كم عدد المتبعين؟ كم عدد الثابتين عليه؟ وهكذا تضيق الدائرة شيئا فشيئا، كلنا نمر بفترات التزام على طاعة أو عمل ما، ولكن سرعان ما نزل وننتكس ونعود إلى ما كنا عليه وهذا مصداق الآيات (ألهاكم التكاثر * حتى رزتم المقابر) فزيارتنا المقابر قد لا تكون في فترات التزامنا ما الذي يضمن لك ألا تكون في فترات زللنا؟ ولذلك أمرنا بالثبات والالتزام طيلة الوقت (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فلا مفر من المداومة على الأعمال إلى أن يأتينا اليقين، وبالطبع من يحاول ويجاهد نفسه ليس كالمعرض مثلا، ولكن يجب أن نأخذ الأمر بجدية أكثر، الأمر جنة ونار، ولا نتحمل نار الدنيا لثوان فما بالك بسنين في نار الآخر؟ لذلك الثبات ليس اختيارا، ليس أمرا ثانويا وفرض كفاية، بل الجميع يجب أن يسعى للثبات بنفسه وبدعائه، فأكبر معين على الثبات هو الدعاء، لإن المصدر الأساسي للثبات هو الله عز وجل وبدعائنا نطلب من الله ما هو الوحيد القادر على أن يكرمنا ويتفضل ويمن به علينا.


من يحتاج إلى الثبات؟

الكل بحاجة إلى الثبات وأن يتفضل الله به عليه، حتى رسولنا صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا الله عنه في هذه الآية العظيمة (ولولا أن ثبتناك كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا) تخيل يا رعاك الله كيف أن نبينا معرض لأن يركن إلى المشركين الذين آذوه والذين آذوا الله -ولن ولم يبلغ أحدا ضره عز وجل- من قبل بشركهم ومع ذلك احتاج نبينا إلى هذا التثبيت من الله، الذي لم ينفك عن طلبه فكان رسولنا يكثر من الدعاء "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك" فاللهم ثبت قلوبنا على دينك وصراطك.


زمن الفتن

تزداد حاجتنا إلى الثبات في زمن الفتن، فكما قال رسولنا: "يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر" ولا شك وأكاد أجزم أننا في هذه الأيام وإن لم نكن فيها نقترب منها بشدة، ولا أخفيكم يتساقط الناس ولا يحتملون حرارة الجمر، ولا أبرئ نفسي، أصارحكم أن تعرضي للفتن بشكل شبه يومي يضعف عزيمتي ويضعفني قليلا، ولا أقول هذا على سبيل التفاخر وإنما على سبيل اعترافي بالتقصير والركون، ولكني لا أتوقف عن المحاولة ومجاهدة نفسي والسعي للعودة والثبات، ندعو الله أن نكون من القابضين على الجمر الصابرين.


كيف نتعامل مع الفتن؟

أن لا نتعامل، هذه أفضل خطة كما يقول صديقي ابن الوردي في لاميته: (فاتـركِ الحيلةَ فيها واتَّكِلْ * * * إنـما الحيلةُ فـي تركِ الحِيَلْ) وأتحدث هنا بالنسبة للعوام وليس الدعاة والعلماء، الأمثل والأسلم للعوام ألا يعرضوا أنفسهم للفتنة ابتداءً، والأَوْلى ألا نواجهها ونبتعد عنها فالعزلة وقت الفتن أفضل من الخُلطة.

لكن إن كان لا بُد أن نتعرض لها، فلم يدعنا الشرع لهوانا وإنما بين لنا الطريق لنعتصم من الفتن وما ترك لنا سبيل خير واعتصام إلا بينه لنا، فمثلا قبل أكثر من ألف سنة أوضح لنا رسولنا كيف نعتصم من فتنة المسيح الدجال، من قراءة سورة الملك قبل النوم والاستعاذة منها بعد التشهد الثاني والآيات العشر من سورة الكهف، وعلى هذا لكل فتنة طريقة للتصدي لها، وأيضا من أعظم الفتن فتنة النساء أرشدنا النبي إلى طريق التعامل معها من غض للبصر وعدم إطلاقه، والمسارعة إلى الزواج في حال توفر هذا أو الصيام في حال لم يكن بالاستطاعة، وبذل الأسباب لعلاج النفس من مرضها فلا يطمع إلا الذي في قلبه مرض، وهكذا في كل الفتن، لم يتركنا ديننا فقط بتحذيرنا من الفتن وعدم الوقوع فيها وإنما بين لنا الطريق وكيف نتقيها وما يعين عليها والابتعاد عنها.

ولمن هو واقع في الفتن، أنشدك أن تعود للدرب، فلست أنت الوحيد الذي بحاجة لهذه العودة، وإنما الأمة كلها بحاجة إليك، مَن سينصر التوحيد إن تخاذلت أنت؟ إن تساهلت وأرخيت أذنك للشيطان وحزبه! كيف نحيي همة أمتنا إن أنغمست وغيرك في الفتن؟ ابدأ بنفسك وانجو بها فالأمة بحاجتك، فانهض وكن على قدر المسؤولية والأمانة.


كيف نَثبُت؟

من محاولٍ، يصيب ويخطئ كثيرا يجاهد نفسه وما زال يتعثر، خذ هذه الخطوات نصيحة لعلها تكون نافعةً.


الخطوة الأولى:

المعرفة والعلم، لا نستطيع الثبات على طريقٍ لا نعرفه، لا نستطيع أن نمشي مغمضي العينانِ، ولا يستوي العالم بغير العالم،

ما الفخــــرُ إلا لأهلِ العلمِ إنهمُ *** على الهُدى لمَن استهدى أدلاءُ

اعرف الصراط، ولا تخف الطريق بين واضح فرسولنا تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، والإسلام ما ترك باب خير إلا دلنا عليه بل وحتى دلنا على ما يسهّل علينا المسير في هذا الدرب.


الخطوة الثانية:

الدعاء والاستعانة والطلب، إياك نعبد وإياك نستعين، لا نستطيع فعل شيء دون معيته وإعانته لنا عز وجل، فما بالك ثبات على درب حياة كحالتنا!

يقول الله في الحديث القدسي:(يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ... يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ)

إذا يكمن الجوهر بالطلب "استهدوني" اطلب من الله أن يهديك ويثبتك وإلا فمن لك سواه لتدعوه؟ هل من مجيب للدعاء سواه؟ هل هناك من يقول للشيء كن فيكون سواه؟ ادعُ الله وأنت موقن بالإجابة، وأنت ملتجئ له وحده فهو بابك الذي لم ولن يُغلق وهو الركن إن خانتك أركان.


الخطوة الثالثة:

التغير، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، هل تظن الأمر سهلا؟ هل يحق لنا أن نتهاون به؟، لا ولا نعرف أن الطريق صعب وأن التغير أصعب، لكن ألا يستحق هذا منك؟ يعني أن تحاول وتجاهد نفسك؟ وإلا بما تشغل نفسك؟ التكاثر صحيح؟ التكاثر بما لا ينفع في الآخرة؟ ألا يستحق الأمر منك أن تضع فيه جهدا؟ الأمر ليس المحافظة على صلاةٍ أو اثنتين الأمر ليس أن تتصدق مرة أو مرتين! الأمر أكبر من هذا بكثير، الأمر تغيير مسار الحياة بأسره، ألم نقل الأمر جد؟ فلنتفق على هذا ونضع في هذا التغير كل جهدنا، ابدأ الأمر بقرار من داخلك لا تقصد به أي شيء دنيوي.


الخطوة الرابعة:

المعاهدة، عاهد الله ونفسك على الثبات، واقرن على المعاهدة بالاستطاعة كما نفعل كل يوم بأذكارنا، ولكن اربط القلب على هذا العهد واجزم واجعل العهد صوب عينك كلما عرضت عليك فتنة وكلما اقتربت من أن تركن شيئا قليلا، وذكرها: ألم أعاهد الله؟ أأستهين بعهدي مع الله بهذه الصورة؟

زكي نفسك من الأهواء وترفّع.


الخطوة الخامسة:

قم، أعلم أننا قد نسقط في بداية الطريق أو نصفه، أعلم أننا على بعد القليل من الزلة، ولكن إذا بقينا في الحفرة ولم نقم حين نسقط فورا إذا نرضي الشيطان، فالشيطان هدفه ليس أن يجعلك تذنب فحسب ولكن أن تستمر بالوقوع في الذنب وتكرره إلى أن يصل بك أن تقنع نفسك أن الله لن يغفر لك، هذا عين ما يريد ويسعى له الشيطان، لإن اليأس والقنوط من رحمة الله كفر وما أحب شيء للشيطان من أن يرى كافرا جديدا؟ فاعقد القلب على العودة في كل مرة، مهما زللت ومهما انحرفت بك السفينة تذكر بما أنك ما زلت على قيد الحياة هناك فرصة لتمسك المقود وتغير الاتجاه، لن يكون أصعب من مآلات استمرارك صدقني، إذا ركبت في القطار الخاطئ فكلما نزلت أبكر كان أفضل، أفضل من أن تصل إلى وجهة ليست وجهتك.

كلما أذنبت عد، فعندك رب يغفر إذا ما استغفرته، عندك رب يقبل التوب إذا ما تبت، فعلاج كثرة الوقوع في المعاصي والذنوب هو كثرة التوبة، إن عاد الشيطان وعادت نفسك فعد وإن زادوا فزد.


الخطوة السادسة:

ثم استقم، الإيمان اعتقاد بالقلب وتصديق وقول باللسان وعمل بالجوارح، وثمرة هذا الإيمان ماذا؟ الاستقامة ( قل آمنت بالله، ثم استقم) ثمرة تصديق واعتقاد القلب الجازم ويقينك هو الاستقامة، وفي الآية (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) فالاستقامة لا تكون بابتداع بدعة والسير عليها، وإنما متابعة الرسول ولا نُزد.

مثلما كانوا فكونوا للأعادي لا تلينوا

عيشهم كان جهادا عيشكم دوما ركون

في هُدى الرحمن هاموا لم يراءوا لم يخونوا

حبهم بذل لروح حبكم صوت حنون

حبهم بذل دماء حبكم دمع هتون

همهم إعلاء دين همكم دوما بطون

ليلهم كان قياما ليلكم دوما مجون


الخطوة السابعة:

تذكير النفس بنعيم الجنة،

ولقد وصفت طريق مسكنها فإن رُمت الوصال فلا تكن بالواني

أسرع وحث السير جهدك إنما مسراك هذا ساعةٌ لزمان

فاعشق وحدّث بالوصال النفس وابذل مهرها ما دُمتَ ذا إمكانِ


ابذل النفيس، من أجل الأنفس، وذكر النفس بالأنفس، عندما كان آل ياسر يعذبون كان الرسول يذكرهم ويصبرهم: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة". فصبرا صبرا موعدُنا الجنة.


وحتى لا يغلب عليك جانب الرجاء ذكر النفس بعذاب الآخرة إذا ما استكثرت من الدنيا، في هذه الخطوة غالبا ما أتذكر قصة ماشطة فرعون وابنها الرضيع الذي أنطقه الله ليثبت بها فؤادها: "يَا ‏‏أُمَّهْ،‏ ‏اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ"، فاقتحموا وثبتوا أفئدتكم.



دمتم بخير.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات يوميات مُهندسٍ

تدوينات ذات صلة