هناك خلاف في ماهية هذه الجنة، أهي جنة الآخرة أم جنة على الأرض؟


ما خرج آدم من جنة الخُلد


معلومة مشهورة لدى السواد الأعظم من الناس، وهي معصية سيدنا آدم -عليه السلام- والتي تسببت في إخراجه من الجنة، وتبعًا لذلك شقاء جميع بني آدم في الأرض إلى أن يموتوا ثم يُبعثوا ويعودوا إلى الجنة مكانهم الأصلي.

هناك خلاف في ماهية هذه الجنة، أهي جنة الآخرة أم جنة على الأرض؟ وما تعلمناه من مشايخنا الكرام أن الراجح أنها جنة على الأرض، لعدة أسباب:


1) الجنة لُغَوِيًّا تُطلق على الحديقة الجميلة ذات الشجر، كما ورد في قول الله -تعالى-: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } (سبأ: ١٥)

{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } (الكهف: ٣٢)

-

2) جنة الآخرة سماها الله عز وجل (جنة الخُلد)، قال تعالى: { قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا } (الفرقان: ١٥ - ١٦)، وجنة الخُلد لا خروج منها.

-

3) إبليس لا يدخل الجنة، قال تعالى: { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } (ص: ٧٨)، فهو مطرود من رحمة الله إلى يوم الدين. فكيف وسوس لآدم وهو في الجنة؟

-

4) الجنة ليس فيها تكليف، وقد عصى آدم ربه ناسيا فأكل من الشجرة المنهي عن الأكل منها، ثم استغفر الله -سبحانه- فغفر له، قال تعالى: { فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } (طه: ١٢١ - ١٢٢)، وقال تعالى: { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (الأعراف: ٢٣)

-

5) الهدف من خلق الله -عز وجل- للإنسان هو عمارة الأرض، قال تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } (البقرة: ٣٠)

فلو كان الهدف هو جعلهم يسكنون الجنة منذ البداية لجعلهم مثل الملائكة، ولما نهى آدم -عليه السلام- عن الأكل من شجرة، ولما جعله ينسى ويأكل منها، ولكنه -سبحانه- أراد ذلك ليُشرع لعباده التوبة عقب ارتكاب الذنب، وقد كان في شريعة آدم -عليه السلام- أن المعصية حتى وإن كانت بالنسيان تستوجب العقوبة، إلا أن الله -سبحانه- قد يسَّر علينا في هذا الأمر كما قال سيدنا محمد ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (فتح الباري شرح صحيح البخاري).


والله -تعالى- أعلى وأعلم.


مروة عبيد

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات مروة عبيد

تدوينات ذات صلة