المرأةُ هي القوةُ الحقيقية ُ، هي الشّعلةُ الأخيرةُ إذا انطفأتْ انطفأ العالمُ كلّه .

الشّعلةُ الأخيرةُ

أحلامٌ هائمةٌ، آمالٌ تائهةٌ، أمنياتٌ منكسرةٌ، أرضٌ منهكةٌ من ويلاتِ الحروبِ و الوغى، حياةٌ على مشارفِ الموتِ. كلُّ القوى خائرة إلا واحدة، ما زالتْ قادرةً على النُّهوضِ من وطأةِ الدَّمارِ والوقوفِ على قدميها بعزمٍ وإصرارٍ رغمَ الأنقاض، قادرةً على بناءِ الأحلامِ وجبرِ الأمنياتِ، وبثِ الحياةِ والأملِ في المجتمعاتِ. تلك القوةُ الجبّارةُ التي استطاعتْ نسجَ القطعِ التي مزقتْها براثنُ الحربِ والظَّلامِ، لتصبحَ الحياةُ محط الأنظار، زاخرة بالقوةِ ونابضة بالخيرِ والأمانِ. تلك القوةُ الجبّارةُ هي المرأةُ التي تجمعُ الأشلاءَ الممزقةَ لتمنحَها حب النّضالِ والكفاحِ والحياةِ من جديدٍ.

هنَّ لسْنَ مجردَ هوامشَ صفحةٍ في كتابٍ بل هنَّ من وضعْنَ أُسُسَ هذا الكتاب. يقالُ: هنَّ نصفُ المجتمعِ بل هنَّ المجتمع بأكملِهِ فلولاهنَّ لما قامتْ المجتمعاتُ والحضاراتُ والأممُ منذُ القدمِ. المرأةُ هي من تبني ما هدم، ترفعُ ما سقط، من تربي الأجيالَ جيلًا بعدَ جيل بهمةٍ وتعبٍ. المرأةُ من تحملُ طفلَها في بطنِها تسعة شهورٍ وتضعُه وهنًا على وهنٍ، من تسهرُ الليالي وتربي وتتألمُ وتعاني في سبيلِ بناءِ المجتمعِ. المرأةُ حصنٌ منيعٌ شُيِّدَ من حجارةِ القوةِ والصَّبرِ والتَّحملِ، وزُيِّن بالحبِ والتّفاؤلِ، يهابُهُ الأعداءُ، ويلجأُ إليه الأصدقاءُ. هي من تقاتلُ بشراسةٍ، من تتألمُ بصمتٍ، تبتسمُ بحبٍ، تتحدثُ بأملٍ وتحبُ بصدقٍ. هي الجنةُ التي تتفجرُ خلالَها ينابيعُ الشَّهدِ واللبنِ لترويَ كلَّ ظمآنٍ، وينمو فيها شجرُ الطّوبى لِيُدْفِئَ كلَّ بردان، هي رياضُ الزّنبقِ والعنبرِ وأريج الزهور، الشعلة الأخيرة إذا انطفأت انطفأت الحياةُ وتوارتْ في سراديبِ الرَّدى .

لكن لم تكتفِ المرأةُ بهذا القدر من الجهدِ والإنجازاتِ بل اجتاحتْ العالمَ بأسرِهِ بقوتِها ونضالِها وكفاحِها، رفضتْ الجلوسَ في المنزلِ بهدوءٍ إنَّما قررتْ الخوضَ في لجِّ الحياةِ، دخلتْ الأسواقَ واعتلتْ أعلى المناصب والمراتب، لم تهتم للعقباتِ والحواجزِ وإنْ كانت جبالًا شاهقةً؛ فهي تستطيع أن تشقَّها بما أوتيت من قوة العزم والإصرارو تجدَ السبيلَ للنّجاةِ والانتصارِ حتى تصل إلى القمة. كيف لا يكون كل ذلك وهي الأمُّ والزَّوجةُ والأختُ والابنةُ قبلَ كلِّ شيءٍ وبدونها المجتمع لا يساوي شيء.

أعزَّها الإسلامُ وكرَّمَها وأعلى من شأنِها، منحَها حقوقًا عظيمةَ لم يمنحْها إياها أحدٌ من قبل. فقبل كلّ شيءٍ كفل لها الحياة فحرم قتلها ووأدها حية كما كان الحال في الجاهلية ثم أوجب على والديها حق رعايتها وحسن تربيتها وأعطاها حقَّ الميراثِ والتَّملكِ وحقَّ اختيارِ الزَّوج ِمن غيرِ إكراهٍ أو إجبارٍ. لقد أعاد الإسلامُ لها مكانتها وقيمتها في زمنٍ أُهينَ فيه كيانُها، وكسرتْ فيه أجنحتُها، وعوملتْ فيه معاملةَ قطعِ الأثاثِ الرَّخيصِ، فكان يرثها من شاء من أقارب زوجها بعد وفاته. والأكثرُ عظمةً وإدهاشًا أنَّ الله جعلها طريقًا للجنةِ، فمن أحسنَ تربيةَ بناتِه قُدْنَهُ للجنةِ متنعمًا فيها بل سميتْ سورةٌ بأكملِها في القرآنِ بسورةِ النّساء. المرأةُ مثالٌ يحتذى به على مرِّ الأزمانِ بقوتِها وعزمِها وإصرارِها، فها هي امرأةُ القرن الواحد والعشرين التي صدحَتْ بصوتِها عاليًا حتى شقَّ السّكونَ ومزَّقَ السَّماءَ وارتجفتْ الأرضُ لصداه. من سطرتْ اسمها على أبوابِ الحياةِ، من جعلتْ للنّضالِ معنًى في وطنِها،من خاضتْ معاركَ طاحنةً مع الموتِ الموشكِ الذي أعدَّهُ أعداؤها لها. فقد أصيبتْ بطلقٍ ناري برأسِها وهي ابنةُ الأربعة عشر ربيعًا أودى بحياتِها إلى حافةِ الهاويةِ. و لكن هيهاتَ أنْ تتخلى عن حقِّها. نجتْ من الموتِ بأعجوبةٍ لتكملَ (ملالا يوسفزاي ) مسيرتَها ونضالَها المستمر في الدفاعِ عن حقّها وحقِّ فتيات مجتمعها بالتّعليمِ. وبالتأكيد ومما لا ريب فيه لم يخلُ زمنُ النبي ﷺ من الصحابياتِ الشجاعات اللواتي كان لهنَّ دورًا عظيمًا في رفعِ رايةِ الإسلامِ والدّفاعِ عنه، فها هي أم عمارة -رضي الله عنها-المحاربةُ العظيمةُ التي كانتْ جيشًا بأكملِهِ في غزوةِ أحدٍ، فما التفتَ الرسولُ ﷺ يمنةً ولا يسرةً إلا ووجدَها تذودُ عنه غيرَ عابئةٍ بالجروحٍ. فالمرأة على مرِّ الأزمانِ قدَّمت روحُها في سبيلِ الدّفاعِ عن وطنِها و أحبّتِها.

هيا أيتها الجميلة، تغلبي على الصُّعوباتِ والعقباتِ، قاومي الظّروفِ، انهضي واصنعي الفرقَ والإنجازاتِ، انهضي واصعدي لتثبتي لنفسك والجميعَ أنَّكِ تستطيعين الوقوفَ على قدميكِ، وتحقيق المستحيل، فهنيئًا لكِ أيتها المرأةُ المناضلةُ، آن لك أن ترفعي جبينكِ الأبيض عاليًا فخرًا واعتزازًا بهُويتِكِ، فأنتِ من أوصى بك خيرُ الأنامِﷺ قائلًا: "رفقًا بالقوارير".

ظلالٌ

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات ظلالٌ

تدوينات ذات صلة