تخيلوا لو كنا نجلس في ذاك المجلس، وأشار إلينا رسول الله ماذا سيقول عنا؟!

 



قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقضاهم عليُّ بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أُبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإنَّ لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".


تخيلوا لو كنا نجلس في ذاك المجلس، وأشار إلينا رسول الله ماذا سيقول عنا؟!

في هذا الحديث يبين النبي نقاط التميز عند كل صحابي، هذه النقطة هي البصمة الحقيقة التي ساهمت في انتشار الإسلام؛ 

فهل حددتَ وجهة بوصلتك؟ وإذا لم تفعلْ بعدُ، ماذا تنتظر؟ 

تأمل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له".

فأنت لما خلقت؟ وما هو دورك في الحياة؟

 علينا أن نعلمَ جميعًا أننا كلنا لدينا ما يميزنا عن غيرنا، لم نخلقْ متشابهين، واختلافنا له سرٌّ علينا اكتشافه لنستطيعَ أن نضعَ بصمةً حقيقةً لنا قبلَ أن نهدرَ عمرنا وجهدنا ونحن تائهين لا نعرف دورنا المناسب في الحياة


.

وأهم ما يعرفنا على ذلك:

 السيرة النبوية، من خلال منهجية النبي -صلى الله عليه وسلم-، إنه منهجٌ واضحٌ سينقلنا نقلةً نوعية من خلال تطبيق السيرة النبوية؛ فنضع بها أنفسنا أمام البوصلة الحقيقية في تحديد مواهبنا ومعرفة قدراتنا ولْنقفْ على أهم القواعد التي طبقها النبي مع أصحابه لاكتشاف الطاقات الدعوية وتوظيفها:

 أولها *الاختلاف بين البشر*


بوصلة نبوية لتحديد دورك الريادي90328521194035700


كان -صلى الله عليه وسلم- حريصًا كل الحرصِ في إيصال معنى الاختلاف بين الناس لدى الصحابة ومنها اختلاف طباعهم وشخصياتهم وبرز ذلك بقوله:"الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، من خلال هذه القاعدة وفهمها العميق نستطيع أنا وأنت تقبل الاختلاف الذي يعيننا على تقبل القدرات لتحظى بثمرة الرضا في كل ما يوكل إليك.

 فالله تعالى قسم بيننا أخلاقنا كما قسم أرزاقنا.


بوصلة نبوية في اكتشاف نقاط القوة 2970349532313498.5



القاعدة الثانية:

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يميز الطبعَ من التطبُّع في خصال أصحابه.

كلنا نعلم أن شخصياتِنا مجزَّأَةٌ إلى صفاتٍ مكتسبةٍ وهي التطبع. وصفات فطرية خلقت معنا وهي الطبع، ودائمًا يكون دور التربية هو تهذيب الطبع وتنميته لا تغييره؛ فالطبع أقوى من التطبع الذي ينميه.

فقول النبي لأشج عبد قيس:"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة.

قال الأشجّ: أبشيء حدث أم جُبلت عليه 

قال -صلى الله عليه وسلم-: بل جُبلت عليه؛ 

فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله".


ومن منهجه -صلى الله عليه وسلم- أنه *كان يعرِّفُ الصحابة على نقاط قوتهم ويمدحهم بما فيهم*

وهذا مانفتقر إليه في تعاملنا مع الآخرين بأننا نتجنبُّ كثيرًا ذكر ما يميز كل شخص بحجة الأثر السلبي للمدح حتى ينعدمَ المدحُ كليًا؛ فيكبر المربي والمدير ولا يعرف ما هي نقاط القوة لديه، وسبب ذلك بخلُ ذلك المشرف في مساعدته وتوضيح ما يملكه من ميزات، ولأهمية هذه القاعدة ولكونها منهجًا نبويًا يجب علينا إعادة النظر في هذه الإشكالية ليتسنى لكل شخصٍ أن يتعرفَ إلى ما يميزه، وبالتالي يستطيع أن ينتقلَ منها لطريق متين وصحيح يكون انطلاق حقيقي له.


 استمعوا إلى قول أبي ذر -رضي الله عنه- حين قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ما تفعل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم.

قال: فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-؛ فقال يا نبي الله، أفنعرف ذلك له؟ قال: نعم فاعرفوا له".


من خلال هذا الحديث نلاحظ مدح النبي لأبي ذرٍّ أمام الجميع، وهذا منهج مهمٌّ جدًا في تحديد المربي لموهبة المتربي ونشرها أمام الآخرين ليبني على ذلك

 *التعزيز والتشجيع*، وهذه القاعدة الرابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- التي كان يطبقها أيضًا مع أصحابه؛ فاستنباط قول ابن حجر العسقلاني في "استحباب الثناء على الشجاع ومن فيه فضيلة لا سيما عند صنيع الجميل ليستزيدَ من ذلك، أخذه من قوله -صلى الله عليه وسلم-:"كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالاتنا سلمة".

 

وعناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابة استمرت في *توظيف نقاط التميز لدى الصحابة في مكانها الصحيح*، وذلك تجلى في جيش ذات السلاسل الواقعة سنة 8 للهجرة، حيث كان قائدُها عمرَو بنَ العاصِ حيث ولاه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بعد إسلامه بـ 5 شهور، وكان من جنوده أبو بكر، وعمر، ثم انضمَّ إليه أبو عبيدة بن الجراح؛ فرغم أن أبا بكر كان قائدًا وعمرَ قائدًا، وأبا عبيدةَ قائدًا، إلا أن الأنسبَ لهذه المهمة هو عمرو بن العاص؛ فلماذا يا ترى؟


بعد أن أنكرَ عمرُ -رضي الله عنه- له في طلبه بعدم إيقاد النار، قال أبو بكر لعمر:"دعه فإن رسول الله لم يبعثْه علينا إلا لعلمه بالحرب فسكت عنه".


أما القاعدة السادسة *اكتشاف قدرات الصحابة منذ صغرهم، ويدلهم عليهم ويحدد لهم التخصص المناسب*

وهذا لا يقتصر فقط على مهام المربي أو المدير أو الداعي بل يشمل أيضًا كونه مهمة أساسية لكلا الوالدين في اكتشاف مواهب أطفالهم منذ الصغر عن طريق تنويع الألعاب لديهم والنظر في الأشياء التي يبدعون بها بمتعة أكبر وجهد ووقتٍ أقل.


إليكم مثال الصحابي ابن عباس -رضي الله عنه- الذي كان يبيت في بيت خالته ميمونة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان ابن عباس عمره حينها عشرةُ سنواتٍ ونصف؛ فكان يتتبع فعل النبي ويستقصي العلم من رسول الله حتى أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- تخصصه المناسب، وهو علوم القرآن لقدرته على التحليل والاستنباط بقوله له:"اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين".


ومثله زيد بن ثابت حين أُتِيَ به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقيل له: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبعَ عشرةَ سورةً؛ فقرأ؛ فأعجبه ذلك للنبي، وكلفه في تعلم لغة اليهود؛ فتعلمها في نصف شهر؛ وبذلك ثبتت قدراته وإمكانياته.


*فمعرفة ما يناسب كل شخص يساعدك في اختيار ما يناسبه ومن ذلك ندخل إلى 

*القاعدة السابعة *


وهذه القاعدة تتجلى فيها قصة أبو ذر -رضي الله عنه- عندما جاء إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- وقال له:"يا رسول الله ولِّني؛ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولينَّ مال يتيم".


فبالرغم من أنَّ أبا ذر ذو شخصية مؤثرة، واستطاع أن يؤثر على قبيلة بني غفار، وأتى بهم مسلمين إلا أنَّ ذلك لا يستدعي أن يكونَ ناجحًا في أمورِ الولاية؛ فهو داعٍ ناجح ومؤثر؛ لكنه لا يصلح للإدارة والمحاسبة؛ فلولا صراحة النبي -صلى الله عليه وسلم- له فيما يناسبه، لبقي تائها يبحث عن دوره الصحيح المناسب له.

أنصتوا إلى قوله تعالى:{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا}.


فهذه الآية بينت أمر الله في *تأدية الأمانات إلى أهلها وهذه الأمانات لا تقتصر لكونها مالية فقط، بل هي أمانة تولية ووظائف أيضًا كما قال شيخ الإسلام فلكل وظيفة أهلها هذا *منهج النبي أيضًا وحرصه الشديد*.


 على ذلك وتنبيهه يتبين في ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتهايا رسول الله؟

قال: إذا أُسند الأمرُ إلى غير أهله؛ فانتظر الساعة".


قدرة النبي الكبيرة في تمييز قدرات الصحابة لم تقف عليهم فقط بل تعدت قدراته إلى 

*تمييز قدرات الكفار أيضًا، وهذه القاعدة التاسعة* في منهجية النبي؛ فقوله -صلى الله عليه وسلم- للوليد بن الوليد متحدثًا عن أخيه:"ما مثل خالد جهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجده على العدو لكان خيرًا له ولقدمناه على غيره".

 فهذا الكلام كان له الأثر الكبير في نفس خالد مما أدى إلى إسلامه وقدومه إلى المدينة.


وختامًا نقول مشوارنا للتغيير يبدأ في ذاتنا تبصرًا وتفكرًا وتذكرًا، كلما ضبطنا بوصلتنا باتجاه الوحي ضبطنا أنفسنا إلى الاتجاه الصحيح.


مرجع المقال"  ورشات عمل

للدكتور رضا الحديثي مدرب وباحث في علم الطباع وتطبيقاته "

إقرأ المزيد من تدوينات آلاء الظريف

تدوينات ذات صلة