عن زيارتي لفينّا ... مدينة الموسيقى .. و الامسية التي ارتحلت بي لخارج حدود الزمن



ولأن حضارة الشعوب تقاس بفنونها كما تقاس بعلومها ، فان العاصمة النمساوية فينّا تتربع على اعلى درجات الحضارة بما قدمته و ما زالت تقدمه من الفنون الموسيقية اضافة للفنون المعمارية. ولا اجد من معنى لزيارة فينّا دون قضاء ليلة من ليالي الأنس في احدى مسارحها العريقة التي تؤنس القلب و ترتحل بالروح عبر الزمن بانغامها التي تسافر في الجو بعيدا فإن سمعها الطير بكى و غَنّى كما كتب احمد رامي وانشدت اسمهان.

في الوسط القديم من فينّا ، ستجدون شخصين بلباس القرن الثامن عشر و يضعون الباروك على رؤوسهم (باروكة ام الفاليف) يبيعون تذاكر لحفل فرقة موزارت الموسيقية ( حوالي ١٠٠ دولار للدرجة الثالثة و ما عشونا .. غالية صح لكنها بتستحق) يقام الحفل في قاعة (وينر موسيكفيرين) للاحتفالات كتقليد قديم منذ اهتمام العوائل الارستقراطية بهذا النوع من الفن. يقدم اعضاء فرقة موزارت في هذه القاعة العرض الموسيقي -الذي تمّلك حواسي جميعها و سافر بروحي الي الزمن البعيد - بالزي التقليدي القديم مع حرصهم على وضع البورايك و في نهاية الحفل يرمي المايسترو عصاه على الجمهور كما كان يفعل موزارت و قد استبلست لالتقاطها لاكون من المحظوظات لكني فشلت !

فتحت هذه القاعة ابوابها عام 1870 , وهي قريبة من دار الاوبرا الكبيرة، و ما زال صوت الموسيقى و الغناء الاوبيرالي يصدح في اجواءها بشكل نقي ومبهر دون الاستعانة بتقنيات الصوت الحديثة ، حيث برع المعماريون القدماء بدراسة سلوكيات الموجات الصوتية بطرق هندسية ، وعليه كان يتم اختيار موقع المسرح و اتجاهه و ارتفاعاته و شكله (على الاغلب على شكل حذوة الحصان لتسهيل مهمة انتقال الصوت من خشبة المسرح الى المدرج) و استعانوا بمواد لعكس الصوت (عادة كان يتم الاستعانة بمواد صلبة و مصقولة توضع خلف المؤدين) اضافة الى مواد لتشتيت الصوت و امتصاصه و اخرى لتكبيره (اي زيادة ضغط موجات الصوتية ومن احدى الطرق المتبعة في ذلك ارتداء المؤدين للاقنعة خاصة ان وجدت مشاهد تمثيلية مع الغناء ) .

في النهاية، لعائلة هايسبورغ الحاكمة آن ذاك الفضل في جعل فينُا عاصمة الموسيقى لاوروبا و للعالم اجمع ، حيث عرفت بشغفها بالموسيقى ( كانت عيلة سمّيعة) بحيث جعلت الموسيقى جزءا اساسيا من التعليم العام في البلاط الامبراطوري، و برع العديد من افراد هذه العائلة بكتابة المسرحيات الموسيقية، و لعب ابناؤهم و بناتهم ادوارا بها، و رصدت ميزانيات كبيرة للمسارح و الحفلات و استقطبت الموسيقين الكبار مثل بيتهوفن و شوبرت و غيرهم و لكن كان لموزارت الحضور الاكبر في فينّا و قد تم تخليده بنصب تذكاري في وسط المدينة.


سوسنة

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات سوسنة

تدوينات ذات صلة