صادق جرار؛ فلسطيني الأصل، نشميٌ أردني، سعودي النشأة، وإماراتي الهوى.

يدرك الآباء ميول أطفالهم في فترات متقدمة، وهذا ما حصل مع صادق جرار الذي التفت والده بميوله في الكتابة والتعبير في سن مبكرة من حياته، ورغم تخصص والده العلمي كطبيب استشاري الأمراض الباطنية والقلب، لاحظ موهبته في "التقمص والكتابة" التي تحولت إلى مهنته في مجال إدارة السمعة والاستشارات الإعلامية، وشجعه على دراسة الإعلام وكأنه رأى فرصة مستقبلا لطفله في هذا المجال. 


مقال عن "الفلافل" حسم قبول صادق في كلية الإعلام.


كان حلم والد صادق أن يُدرس أولاده في نفس الجامعة التي تخرج منها قبل سنوات "جامعة بيرزيت" في فلسطين، وبالفعل حقق الأطفال حلم والدهم وتوجهوا من السعودية مرورا ببلدهم الأردن إلى فلسطين لإتمام دراستهم الجامعية.


مفارقة غير عادية وتجربة مختلفة عاشها صادق عندما انتقل للعيش من بلد مستقل مزدهر في جدة مسقط رأسه، إلى تجربة الانتفاضة الثانية التي عاش معظم محطاتها عندما التحق لدراسة الإعلام في جامعة بيرزيت، محطة شكلت تجربة فريدة ربما كانت الأهم في مراحل حياته، حيث اعتبر أن بيرزيت ليست فقط مرآة للمجتمع الفلسطيني وإنما للوعي العربي ككل، وخرجت قادة في مجال الإعلام تميزوا في حقوله. 


كان الالتحاق بكلية الإعلام صعباً حينها، حيث كان القبول ل٢٠ طالباً من أصل ٥٠٠ مترشح وأكثر، وعندما ترشح صادق كان يعلم بأن المنافسة شرسة، والتحدي صعباً، ولكنه استطاع أن يلفت الأنظار من خلال مقالته عن "الفلافل" التي كانت جزءا من امتحان القبول، ليخرج عن المألوف في تفكيره، ويجذب انتباه لجنة التقييم...ورغم أن امتحان قد غطى مجالات الثقافة والسياسة والتاريخ والفن والعلوم، إلا أنه كان يقيس قدرات الطالب على التخليل والكتابة الإبداعية، والتي شكلت عنصرا حاسما في قبول المتنافسين.


عندما جهزت قوائم القبول، كان الاختيار يضم ٨ طلاب فقط، ولم يكن اسم صادق من ضمنهم فشعر بالإحباط، وفكَر بما يناسبه غير الإعلام، ولكنه لم يجد تخصصا آخراً يلبي تطلعاته. 


وبعد أن سيطر عليه اليأس، وقرار السفر لدراسة القانون في الأردن، قابل صادق صدفة صديقاً له في الجامعة، وقال له "اسمك موجوداً ضمن لائحة القبول في كلية الإعلام" فصُدم لخبر لم يتوقعه خصوصا وأن اسمه لم يكن ضمن القائمة الأولى للقبول!، وبالفعل كان اسمه موجوداً ضمن الاختيارات لمقابلة في كلية الإعلام، هو واثنين من زملائه سقطوا سهوا من القوائم الأولية.


الدكتور نبيل الخطيب، كان عميدا لكلية الإعلام في جامعة بيرزيت حينها، وعندما هنأه على قبوله، قال له: "لديك مخيلة واسعة، تمكنت من التعبير عنها في امتحان القبول، ولفت نظري إجابتك على السؤال الذي يقول، تخيل نفسك صحفيا يريد أن يعد تقريرا عن الفلافل؟  أظن أن لديك الموهبة وتستحق فرصة الالتحاق بكلية الإعلام ضمن تخصص البث الإذاعي الذي اخترته".


"الجامعة تقدم لك مفاتيح العلوم إنما الاجابات الكاملة تأتينا من الحياة والتجارب المهنية، والمهارات هي التي تصنع الفرق وليس الشهادات"


في الإعلام، هناك الكثير من المجالات، وكان حلم صادق أن يعمل في الإذاعة أو التلفزيون أو في رسم الكاريكاتير الصحفي منذ الطفولة، ويذكر بأنه كان عضوا في فريق الإذاعة المدرسية منذ الصف الأول الابتدائي، وكأنه كان يعلم بميوله منذ صغره.


عندما تخرج؛ نجح في إيجاد وظيفة في الراديو ولكنه تراجع عنها مع تواضع دخل المذيعين، وصدفة رشحه الأستاذ عارف حجاوي حينها للعمل في أول وكالة مستقلة للعلاقات العامة في رام الله اسمها "إعلام تام"..لم يكن صادق مؤيدا للفكرة في حينها، وشعر بخيبة أمل بأن أستاذه ومُلهمه رشحه للعمل في مجال غير الإذاعة، ولكن قال له في حينها، بأن إدارة الوكالة تواصلت معي وطلبت أن أرشح مجموعة من الطلبة بقدرات مختلفة، ولم أجد من هو أنسب منك لإجراء المقابلة والامتحان، ولم أرشح أحدا غيرك، وعندي ثقة أنك ستبدع في مجال العلاقات العامة، فهو مجال جديد ويبحث عن مواهب حقيقية.


عمله في إعلام تام فتح له أبوابا كثيرة للعمل مع مؤسسات دولية، أبرزها البنك الإسلامي للتنمية في جدة، وشركات متعددة في مجال التجارة الدولية والاتصالات والتنمية والإعلام والانتخابات وإدارة الأزمات، وشارك في العشرات من المعارض الدولية والمؤتمر في مختلف دول الخليج العربي وعدد من الدول الإسلامية والعربية في المنتدى الاقتصادي العالمي.  وبدأ  تجربته بالعمل في دبي معرض جيتكس للتكنولوجيا في 2003 وعمل على إدارة الحقيبة الإعلامية لصالح العديد من العلامات التجارية الدولية. 



ومن ثم انتقل بشكل دائم إلى دبي في العام 2007 عندما التحق بأول شركة في حينها في مجال الشؤون العامة والاتصال الحكومي تحت مظلة "تيكوم" الذراع الإعلامي لدبي القابضة، حيث تواصلت معه المستشارة الإعلامية نعمة البراضعي والمدير التنفيذي الذي تعرّف عليها خلال إحدى مؤتمرات البنك الإسلامي للتنمية في اسطنبول، لينضم إلى فريقها ضمن فريق أكبر بقيادة سعادة منى المري رئيس المجموعة في حينها.


ومع إعادة هيكلة مجموعة الخدمات الإعلامية، انضم صادق إلى فريق نادي دبي للصحافة تحت مظلة المكتب الإعلامي لحكومة دبي كمدير للاتصال والعلاقات الإعلامية، والذي اعتبره المحطة المهنية الأهم في حياته، حيث جمع بين خلفيته في مجال الإعلام وشغفه في تطوير المحتوى، وبدأ مشواره كعضو في اللجنة المنظمة لأكبر المشاريع الإعلامية في المنطقة في منتدى الإعلام العربي، وجائزة الصحافة العربية. وجد صادق في هذه المحطة المهنية كل ما يتمناه وشكلت بيئة حاضنة لمهاراتهِ، وفتحت له أبواب واسعة لعلاقات إعلامية وتجارب مهنية فريدة يحلم بها آلاف الشباب العربي في مجال الإعلام. وعمل مع الفريق على تنظيم سبع دورات مختلفة للمنتدى والجائزة كان من بين أنجح دوراته منذ انطلاقته، وحققت إنجازات كبيرة شهد عليها قطاع الإعلام العربي، وتفردت دبي والإمارات بأبرز مظلة جامعة لوسائل الإعلام العربية والدولية في المنطقة تقاطعت بشكل كبير من الدور الذي تقوم به المدن الإعلامية الحرة.


"تجربتي في سكاي نيوز كانت غنية، وثرية، ولكنها صعبة من الناحية الإنسانية"


نادي دبي للصحافة فتح باباً جديداً لصادق، في مشروع كان جديداً في حينها، قناة "سكاي نيوز العربية" حيث انضم للعمل معهم بمنصب مدير الاتصال والعلاقات العامة في منطقة الشرق الأوسط وسكرتيرا للجنة الاستشارية التحريرية في القناة بإدارة رئاسة التحرير وعضوية مجموعة من المذيعين ومعدي الأخبار. 


عمله في سكاي نيوز كان مشابهاً لنادي دبي للصحافة لأنه كان يقدم خدمات استشارية إعلامية لمؤسسة إعلامية، وهذا المنصب كان لديه متطلبات مختلفة من ناحية المعايير، والمتطلبات والمحتوى، فكان صادق مسؤولا عن سرد قصة المؤسسة للجمهور الخارجي والداخلي، وكأنه يتقمص شخصية كل منصب يشغله شخص آخر ليقدم المؤسسة للعالم.


في فترة عمله في القناة، مرّ هو وزملائه بفترة صعبة إنسانياً عندما اختطف ٣ من زملائهم في سوريا من قبل تنظيم داعش الإرهابي أثناء تغطيتهم للأخبار في سوريا، وتم تكليف صادق حينها في التواصل مع عائلات الزملاء كحلقة وصل بين الإدارة والأهالي، وقام بزيارة الأهالي مع وفد من إدارة القناة في بلدانهم. 


 عبّر صادق عن تلك الفترة: "كانت مهمة صعبة جداً، حيث تختلط مشاعرك العاطفية مع العملية، وكَبرت في تلك الفترة سنوات، لم يكن الضغط النفسي فقط مصدره الأهالي وإنما أيضا قلق الزملاء في القناة على زملائهم التي اختفت آثارهم أثناء تغطيتهم للحرب في سوريا".


"تجربة سكاي كانت حافلة بكثير من التجارب، وكان قرار مغادرتها إلى تجربة جديدة صعبا للغاية، فرغم التعب النفسي مع الإيقاع السريع لعالم الأخبار، إلا أن متعة خفية كانت ترافقني طوال الوقت، كما أنها صقلت شخصيتي المهنية، فالعمل في قلب مؤسسة إخبارية وصحافيين أكفاء يفرض عليك أن تعلم نفسك وتثقف نفسك بشكل يومي لتبقى مواكبا لكل جديد في عالم الإعلام، وقد تمكنت سكاي نيوز عربية في تقديري من فرض اسمها بقوة في وقت قياسي، وقد فتح لي العمل هناك أبوابا جديدة من التأثير في عالم الإعلام".


"القوة الناعمة، الصاعدة، و الجديدة؛ الشباب"


كان القرار صعباً بالنسبة لصادق للانتقال من المجال الإعلامي، لمجال مختلف، ولم يمارسه من قبل؛ المجال الشبابي، حيث انتقل من سكاي نيوز للعمل مع مركز الشباب العربي بمنصب نائب المدير التنفيذي.


"منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها عن إطلاق مركز للشباب العربي حرصت على متابعة عمله ومشاريعه، وكعادتها دولة الإمارات، تسبق المنطقة والعالم في تفكيرها ونمط مشاريعها، والأجمل أن يكتسب أحد مشاريعها بعدا عربيا يستهدف تمكين الشباب العربي في أوطانهم..قيم سامية يقف عليها المشروع تجذبك لتكون جزءا من أثر سيتذكره الأجيال، بل ويساهم اليوم في تغيير واقع العديد من الشباب إلى الأفضل..وجدت في مركز الشباب العربي مصنعا لإحياء الأمل في نفوس الشباب يقوده شباب إماراتيون وعرب نجحوا في وقت قياسي بتغيير مفهوم العمل الشبابي برؤية قيادة حكيمة وصادقة في رغبتها بالاستثمار في الشباب كطاقة واعدة لبناء الأوطان، واستعادة المنطقة العربية لمكانتها في كافة المجالات من قلب الإمارات، عاصمة الأمل والقبلة الأولى لأحلام الشباب" 


الإيمان بالشباب العربي والاستثمار في طاقتهم وقدراتهم هو ما يعمل عليه صادق في مركز الشباب العربي، بإشراف وتوجيه قيادة المركز.


"عندما تلمس أثر التعب والاجتهاد يأتيك الحافز للعمل"


لا يوجد سبباً واحداً يحفز صادق للعمل، بل هي مجموعة من الأسباب التي تبقيه متحفراً ونشطاً، وبالنسبة له؛ أهم الأسباب عندما يرى الأثر بعد التعب والاجتهاد، ويلمس شعور الإنجاز.


يستمد الإلهام من عمل فريقه المستمر والمجتهد ليقدموا خدماتهم للشباب العربي...وهو على قناعة بأن جيل الثمانينات والتسعينات سيغير من خريطة العالم العربي إلى الأفضل، وذلك لإيمانه بأنه هذا الجيل مسلح بمنظومة من القيم والمهارات والشغف لم تحظى بها أجيال سبقتهم. 


"العطاء ليس شرطاً أن يكون للأشخاص الآخرين، بل من الممكن أن يكون لنفسك، لقيمك، ومكافأة نفسك، ودعم أهلك"


عندما يعمل صادق؛ يضع صورة والدته أمامه، ومن أهم أهدافه أن تكون فخورة به وبعمله، وبالإضافة إلى ذلك يكافئ نفسه عندما يوازن وقته بين عمله الذي يحب، وعائلته الصغيرة التي تشكل عالمه الخاص.


 "أمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ " 


يؤمن صادق بأن الحظ، والرزق يلعبان دوراً مهماً في النجاح، ويقتدي بالحديث النبوي: "أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ " 


وعلى الإنسان أن يعتزل ما يؤذيه، ويسيطر على مشاعره، ويخرج من منطقة راحته ليبرهن لنفسه ولغيره بأنه قادراً على الاستمرار والنجاح.


معظم البشر لديهم قُدوات مقربين لهم، وهناك مجموعة من الأشخاص تُلهم صادق الجرار.


"تلهمني والدتي بسبب إيثارها وعطائها المستمر،  فـ هي السيدة المثقفة التي لم تتمكن من إكمال دراستها الجامعية، ويلهمني والدي بسبب عزمه وحزمه، وحكمته في الحياة،  فـ هو الطبيب الذي ترك بصمته في الطب وخدمة البشر، وتلهمني قلة من أصدقاء العمر لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، لهم فضل كبير على نجاح كثير من تجاربي المهنية والإنسانية، وصدق من قال :قلي من تعاشر، أقل لك من أنت".


وبالنسبة للعمل الجاد والطموح، يأتيه الإلهام من فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومجموعة معروفة وأسماء لامعة من القيادات الحكومية .


"بجانب محطاتي المهنية المهمة، كان هناك محطات شخصية أهم"


يعتبر صادق بأن نجاحه المهني مهماً، ولكن زواجه من السيدة التي اختطفت عقله وقلبه من أهم إنجازاته في الحياة، ولأن الهدف الرئيسي من الزواج من وجهة نظره هو "الارتقاء بالحياة"، تزوج صادق من السيدة التي أضفت نكهة مميزة لحياته وأكملت تفاصيله. ويقول:" في خوارزميات الرزق المعقدة لا نعرف ماذا ينتظرنا من ارتباطنا بإنسان آخر، ولكن دعاء الوالدين له سحر عجيب في أن تجد شخصا يجعل منك إنسانا أفضل".


"هل فعلاً انا نجحت؟ هل لدي موهبة فعلا؟ ما الأثر الذي تركته؟ كيف أقيسه؟ أسئلة تراود كل إنسان في حياته، وبالنسبة لصادق، فهو لا يعلم إذا وصل فعلا لمراده بل يظن أنه ما زال أمامه الكثير الكثير ليلهم نفسه قبل غيره..وليخلص في حبه وعطائه لأهله وأصدقائه وزملائه... 


ويؤمن بأن البيئة المحيطة من الممكن أن تكون إحدى مسرعات النجاح الرئيسية، ولربما كان محظوظاً لوجوده في بيئة خصبة، وحاضنة للإبداع والعمل الجاد مثل دولة الإمارات وأبنائها.




بقلم هبة سكجها 


التعليقات