السعادة الحقيقية تكمن بالعطاء لا بالأخذ ، أعطوا من قلوبكم وامنحوا الدفء والمحبة لكل محتاج .

كان يحمل فرحته بين جنبيه لا يدري أين يلقيها ، فلم يعد هنالك من يفرح لفرحه أو يغتم لهمومه ، كل مشغول بنفسه ، ما أصعب هذه اللحظات ، أن تحمل فرحك لا تدري أين تذهب به ، كان يتحرك بخفة ويدور حول نفسه ، ولكنه فجأة شعر بالإحباط ، أهذه هي السعادة التي كان يدعو الله أياما طوال كي يمنحه إياها ، لماذا إذن لا يشعر بها ؟ يبدو أن ما يبحث عنه لم يكن هذا ، كان يريد حدثا يعود به لأيام مضت لزمن سعيد ، كان يمتلك فيه ما يجعله سعيدا ، فكر مطولا بما يحدث ، جلس واضعا رأسه بين يديه ينظر في فراغ المكان ، ألقى نظره خارج النافذة فشاهد منظرا غريبا أثار دهشته ، عصفوران في الفضاء ينقض أحدهما على الأخر بوحشية ، ذهل للوهلة الأولى ، وظن أن هذا قد يكون نوعا من المزاح بينهما ، أو نوع من التدريب ، ولكن لا ، لا يبدو مزاحا ولا تدريبا ، كانا يقتتلان بوحشية ، والريش يتناثر في كل مكان ، استدار وفتح الباب الذي يؤدي إلى الخارج ، ليرى ما يحدث هناك ، كانا يقتربان منه ، وأحدهما ينهش الأخر بمنقاره ، وما أن أصبحا على مقربة منه حتى بدأ يلوح بيديه كي يتركا بعضهما البعض ، فوقع أحدهما على الأرض وطار الثاني مبتعدا .

حمله بين يديه وإذا بالدماء تسيل من أكثر من مكان في جسده الصغير ، حزن عليه جدا ، وتذكر حاله وكيف انقض عليه أقرب المقربين من أصدقائه وأقاربه .

دخل منزله وما زال يحمل العصفور المسكين مخاطبا له :

- ماذا حدث لك أيها المسكين ؟

ولماذا انقض عليك من هو من جلدتك وبني جنسك ؟

أحضر وعاء ووضع به بعض الماء الدافيء مع بعض المعقمات ، وبدأ بتعقيم جروح الطائر المسكين ، كان الطائر خائفا ، ولكنه الآن استكان بين يديه ، وهدأت حركته .

ما أن انتهى من تعقيم جروحه حتى وضع له وعاءا صغيرا به ماء وبأخر بعض الخبز الرطب ، فأكل الطائر بعض الخبز وشرب قليلا من الماء ، ثم أغمض جفنيه وأخذته إغفاءة قصيرة .

بخفة وسرعة جهز للطائر الجريح مكانا مريحا كي ينام به ، ثم حمله بهدوء ووضعه فوق الفراش الذي أعده له ، وتركه لينام وذهب لبعض شؤونه .

عاد ليتفقده بعد وقت فوجده وقد استرد جزءا من عافيته ويتقافز فوق طاولة المطبخ ، وما أن وأه الطائر حتى طار إليه وحط فوق كتفه والتصق بخده تعبيرا عن الامتنان .

ارتسمت ابتسامة الرضا على وجهه فهذا هو ما يريده ، وهذه هي الرسالة التي كان ينتظرها ، نعم مساعدة الأخرين دون انتظار المقابل هي السعادة الحقيقية .

لقد أرشده هذا الطائر للمعنى الأسمى في الحياة ،فالسعادة الحقة ليس بالأخذ ولكنها بالعطاء.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

Fayez شكرا لك لمرورك الطيب 🌺🌺

إقرأ المزيد من تدوينات قلمي / عبير الرمحي

تدوينات ذات صلة