في الصباح سر ٌمن أسرار الكون لا يعرفه إلا المبكرون، يشعرون به دون أن يدركون كنهه، يسري في أجسادهم طاقة وحماس، وينعكس على حياتهم توفيقاً وبركة.

...

أُعاني في الشتاء من صعوبة التخلص من البطانية صباحاً، هي معضلة متعلقة بفصل واحد من فصول السنة؛ حين يعلن البرد حربه الشعواء على جلودنا الدافئة، إن لتلك البطانية الشتوية الدافئة إغراءً وإغواءً يزداد كلما ازداد البرد، وليس الانفكاك منها بالأمر اليسير.


لكني انتصرت قبل يومين بفضل الله؛ نفضت البطانية وانطلقت أجري فاتحاً رئتيَّ لاستنشاق عبير الصباح الندي، لقد حرمتني شعور التحليق الذي كدت أنساه، وهاءنا أعود للحياة وأذوق طع السعادة.


- وهل للسعادة طعم؟


بالتأكيد، السعادة لها الكثير من النكهات، وقد يجرب المرئ في حياته أنواعاً منها لكنه لن يحصيها، وكلما مرت بنا الأيام وعشنا تجارب جديدة كلما أتيحت لنا الفرصة لتذوق نكهات أخرى من السعادة، لكني سأحدثكم عن نكهة واحدة فقط عبر هذه المقالة، إنها السعادة بطعم نسمات الصباح.


الفرصة مواتية أكثر لو كنت تعيش في مدينة ساحلية، أو بالقرب من حديقة غناء، لكن حتى إن لم يتوفر بقربك أيٌّ من هاذين العنصرين؛ فسوف تتمكن من تذوق تلك النكهة إن قمت بشيء واحد فقط، هو الممتنع السهل، فهو سهل لأنه مجاني وتطبيقه ذاتي، وهو ممتنع لأن إغراء البطانية في الشتاء هو إغراء يصعب التغلب عليه.


أعتقد أنك سمعت عن الكتاب المشهور (دع القلق وابدأ الحياة)، فإن لم تكن قد قرأته، فهاك وصفة مختصرة نابعة من تجربة شخصية، كي تبدأ عملياً بعيش الحياة ببهجة تملأ قلبك وشغف يسري في عروقك؛


أن تنفض عنك البطانية كلّ صباح.


كتابٌ آخر بعنوان (معجزة الصباح)، وهو لشخص اكتشف شيئاً ثمنياً غَفِلَ عنه لسنواتٍ عدة، إنه الصباح؛ شروق الشمس الذي ينشر النور في القلوب قبل أن يرسل أشعته للأرض، فلماذا تنام حين توزع وجبات النور؟ لمَ لا تأخذ حصتك من الطاقة لتنطلق بها مفعماً بالبهجة، فتخوض غمار الحياة بابتسامة عريضة ترتسم في قلبك قبل شفتيك؟


كنت قبل سنوات أخرج أنا وصديقي بعد أن يعلن الصباح طلّته، وقبل أن تمتلأ الشوارع بالمركبات والمارة، ثم نمشي كثيراً ونقطع الكيلومترات دون أن نشعر بالتعب، كنا نواجه برد الصباح بدفئ الشغف، وطول المسافة بالأحاديث القصيرة الودودة.


مشينا تارة، وهرولنا تارة أخرى، لاحقتنا الكلاب في إحدى الصباحات، وتعالت الضحكات في صباحاتٍ أخرى، مرة نذهب شمالاً، ومرة أخرى جنوباً، نجرب الشوارع، ونخترق الحارات، أحياناً ننطلق صوب سوق المدينة القديم، حيث الإفطار الشعبي العريق، نصل بعد أربعة كيلومترات لنفترش الأرض ونأكل الطعام بشهية كشهية المريض حين يُشفى.


مرت الأيام، سافرت وكُتب علينا الفراق، لكن كنت قد أدمنت تلك النكهة، نكهة الصباح بطعم المشي أو الهرولة، وبحمد الله كنت قد نلت ترقية بارزة، ربما نجحت فانتقلت إلى المستوى الثاني، فصرت اليوم أخرج دون ملاحقة الكلاب أو تقطعات المطبات الوعرة، فقد صار هنالك ممشى، وسارت الأجواء أصفى، لكني أصبحت وحيداً، لم يعدل لدي صديق كما كنت في السابق.


أعرف أنك إن تمكنت من إقناع نفسك بهذا المشروع الجريئ، فسيكون من الصعب أن تقنع صديقك بذلك، لكن حتى إن لم تجد أحداً، فقط اخرج وستكتسب أصدقاء من غير بني البشر، ربما بعض الطيور، أو القطط التي تَبِشُّ في وجهك كلما ألقيت لها كسرة من طعا، أو داعبتها بأناملك الدافئة، وقد تصاحب عقلك فتدمن محادثة أفكارك، وصدقني، تلك الأفكار التي تأتيك في الصباح الباكر بعد نومٍ هانئ وأنت في أرض الله الواسعة، هي أفكارٌ بناءة إيجابية، تصنع يومك وتثري حياتك.


مضت أيام وأنا أصاحب البودكاست، كنت أستمع لخلاصة عقول البشر عبر حلقات صوتية مجانية أحملها معي عبر الهاتف الذكي، السماعة هي كل ما تحتاج إليه، لكن عليك أن تُحسِن اختيار رفيقك الذي تستمع له، ويفضل أن تستمع للمحتوى الإنجليزي -إن كنت متقناً لها-، فهو أغزر والخيارات فيه أكثر.


وتمضي الأيام، ويغلبني النوم تارة -مستعيناً بدفئ البطانية ونعومة الوسادة- وأغلبه تارة، والحرب سجال، فيوم لك ويومٌ عليك، لكني لن أرفع له الراية ما بَقيَتْ فيّ الروح، فمن ذاق عرف، ومن عرف أدمن، فكيف لمدمن السعادة أن يتخلص من الإدمان أو أن يبرأ من لفحات الشروق البهية.


نَمْ مُبكراً...

اصحى باكراً...

اخرج وحرك رجليك، ماشياً أو راكظاً.

ذُق طعم السعادة وابدأ يومك بنشاطٍ وطاقة.


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات عمر الحمدي

تدوينات ذات صلة