"الأم ليس فقط بئر مملوء بطاقة لا تنفذ, ولكنها تورث الطاقة لكل صغارها:


استيقظت مبكرا لأستمتع بشمس النهار الدافئ في جو شتاء شارلستون، مدينتي الجميلة التي قضيت فيه عشر سنوات من عمري كأستاذ مساعد في قسم الجراحة بكلية الطب جامعة جنوب كارولاينا الطبية بأمريكا كان لهم فضل عليّ في تحقيق انجازات علمية رائعة قبل عودتي إلي طنطا في صيف ٢٠١٠. كانت زيارتي قصيرة في شتاء ٢٠١١ ولمدة أسبوعين بعد الثورة. ولأنها كانت الزيارة الأولي لي بعد عودتي إلي مصر، كنت مستمتعا بكل لحظة أقضيها في المدينة لاشتياقي لشوارعها ومبانيها وناسها وطقسها البديع. كانت الزيارة علمية في المقام الأول وكان البرنامج العلمي يشمل محاضرة كل أسبوع.

شارلستون هي ثاني أكبر مدينة في ولاية جنوب كارولاينا بأمريكا بعد عاصمتها كولومبيا رغم أنها كانت عاصمة الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية. وسميت المدينة بهذا الاسم تبعا لاسم الملك تشارلز الثاني ملك انجلترا. مدينة تشبه الإسكندرية في طقسها وكورنيشها البديع الممتد علي طول شاطئ نهر متصل بالمحيط الهادي بشرق أمريكا. شارلستون مساحتها حوالي ٣٠٠ ألف كيلو متر وعدد سكانها حوالي ١٥٠ ألف نسمة، وتشتهر بوجود جامعة جنوب كارولاينا الطبية والتي بها كلية الطب والصيدلة والأسنان والتمريض وكلية دراسات عليا تجمع كل تلك التخصصات بالإضافة إلي تخصصات العلوم الأساسية. والمدينة بها أيضا كلية شارلستون العريقة وكلية "سيتاديل" المشهورة ببرامج البيزنس.

ألقيت المحاضرة بنجاح وشعرت بسعادة داخلية كبيرة انعكست باستحياء علي ملامحي وشفتاي بعد أن رأيت لغة العيون للحضور التي عكست استحسانهم لمحاضرتي عن "سلوك التعاون بين الخلايا المناعية أثناء حروبها ضد السرطان". وجاء وقت أسئلة المحاضرين ومداخلاتهم عن موضوع المحاضرة. واستمتعت بطريقة الأسئلة، ووفقني الله في ردودي علي معظم المداخلات والتعليقات. كانت معظم الأسئلة متعلقة بكيفية التعاون بين الخلايا علي مستوي الجزيئات الصغيرة، وكيف تستخدم هذه الجزيئات في تعرف الخلايا علي بعضها البعض وفي الهجرة عبر الدم إلي مكان الورم، ثم الأسباب التي تحول بينها وبين دخول عش الورم، وكيف لبعض الخلايا المناعية الانقلاب علي باقي الخلايا وتمنعها من القيام بوظائفها. كان كل سؤال يفتح الشهية لتصور الإجابة ويفتح المجال لمزيد من المواضيع البحثية المهمة للتغلب علي السرطان مناعيا.

ثم فوجئت بسؤال شيق وجذاب ومهم ولكني لم أستطع الرد عليه كما كنت أتمنى، فما كان مني إلا أن قمت بالإجابة علي سؤال البروفيسور الذي سألني بإجابة عامة بدون معلومات وأرقام دقيقة. لم أشعر ساعتها علي الإطلاق بأي ضيق أو إحراج علمي، بالطبع لأني أدرك تماما صعوبة الإلمام بكل المعلومات حتي المتعلق منها بموضوع المحاضرة. ولكني بالطبع كنت أتمنى أن أكون ملما بموضوع السؤال حتي وإن كان خارج تخصصي. وذيلت إجابتي بأني لا أعرف الإجابة الدقيقة.

كان السؤال عن كم الطاقة التي تنتجها الميتوكوندريا في الخلايا المناعية أثناء نشاطها خاصة تحت وطأة الخلايا السرطانية، وإذا كان هناك تغيير فهل هو تغيير في آلية الحصول علي الطاقة أم مجرد تغيير في كم الطاقة. كان السؤال من أستاذ متخصص في عمليات الأيض (التمثيل الغذائي) في الخلايا علي وجه العموم والخلايا المناعية علي وجه الخصوص. وبالفعل كان السؤال مهما للغاية لأن الخلايا المناعية من الخلايا التي تستهلك كم كبير من الطاقة كما أنها تحتاج طاقة متجددة أولا بأول نظرا لأنها خلايا متحركة ودوارة ونشطة وسريعة الانقسام ولا بد لها من إنتاج انزيمات مهمة للغاية تستخدمها للانقضاض علي الخلايا المعادية.

ميتوكوندريا حواء بقلم  د. محمد لبيب83192228849853360


ومع أني أستاذ مناعة إلا أن لم أستطع أن أجيب بدقة علي السؤال سوي أني أتوقع فروقات في كم ونوع وتوقيت انتاج الطاقة وطريقة الإنتاج في حالة وجود ورم لأن الورم نفسه يفرز مواد سيئة السمعة تُغير وتُحد من حركة ونشاط ووظائف الخلايا المناعية. ولكني لم أستطع الجزم بإعطاء أرقام أو توقيتات بعينها أو أسمي الجزئيات المسئولة عن هذا التغيير.

وبعد انهيت اجابتي انبرى هذا الأستاذ المتخصص في شرح الفروقات من خلال أبحاثه التي يجريها علي الخلايا المناعية والخلايا الورمية لمعرفة التغيير في أيض الخلايا تحت تأثير كل منهما علي حدة وكل منهما علي الآخر في حالة تواجدهما سويا. كان شرح هذا العالم الكبير ممتعا للغاية، وكانت طريقته شيقة جدا حتي جعلني أتخيل الميتوكوندريا التي نسميها مجازا "ببيت الطاقة" الذي يتحدث عنه كالكانون الذي كنا نستخدمه في بيوتنا في العهد الماضي.

وبيت الطاقة في الخلية هو جسم صغير علي شكل مركب عائم في سيتوبلازم الخلية، وهذا المَركب هو الميتوكوندريا والتي تحوي العديد من التعرجات والتضاريس والأسلاك والكيماويات المتراصة بإتقان بغرض انتاج الطاقة. وصل عدد هذه المراكب إلي ٢٠٠٠ مَركب في بعض الخلايا مثل الكبد والعضلات وذلك لاحتياجها إلي طاقة متجددة. وهناك خلايا مثل كرات الدم الحمراء الناضجة التي لا يوجد فيها هذه المَراكب. ويوجد بكل مَرْكب مجموعة من الجينات الخاصة به المختلفة تماما عن تلك الموجودة بالنواة.

شرح لنا البروفيسور باقتضاب، نظرا لضيق الوقت المتاح، كيف أن كم ونوع الطاقة المنتجة من هذا المَرْكب داخل الخلايا المناعية تقل في حالة وجود ورم، حتي تصبح معظم المَراكب ساكنة بل وينطفئ فيها "الكانون" الذي يولد الطاقة التي تحتاجها الخلايا في الحركة والانقسام والهجرة والنشاط والوظائف المطلوبة لوقف الخلايا السرطانية عند حدها. ثم ذكر كيف أن ذلك يؤدي إلي بقاء الخلايا السرطانية قوية وعزيزة لتتحرك وتنتشر في الجسد كيفما تشاء.

كان السؤال والإجابة عليه حافزا لي لدراسة هذا الموضوع الهام، الأمر الذي تم بالفعل بعد ذلك من خلال بعض طلابي الدارسين للماجستير والدكتوراة. ودفعني سؤال هذا الأستاذ إلي القراءة أكثر عن مَركِب الميتوكوندريا وأصله وفصله. لم أكن أدري عن هذا المركب العائم الذي يحوي بيت الطاقة إلا القليل. ولكني عندما قرأت عنه باستفاضة فوجئت بكم المعلومات الرائعة والمهمة التي تجعلك تعشق هذا المَركب وتتمني أن تقوده بنفسك في سيتوبلازم الخلية، خاصة أنه المكان الذي يشارك في تحديد مسار الخلية نحو الموت أو الاستعداد للموت أو البقاء علي الحياة، وما يستلزم ذلك من انقسام ونشاط ووظائف.

ورغم أن جميع المعلومات كانت شيقة ومهمة، إلا أني اندهشت من معلومة عرفتها لأول مرة عن نشأة ومصدر الميتوكوندريا. كانت مفاجأة مدوية لي وتحوي الكثير من الفلسفة البيولوجية التي اعشقها. وعدم علمي بها لا يمنع بالطبع أن الكثير من الباحثين يعلم أصل ومصدر بيت الطاقة هذا. فقد اكتشفت أن بويضة السيدة حواء هي أصل ومصدر الميتوكوندريا في كل خلية من خلايا اجسادنا منذ الجيل الأول بعد زواج سيدنا آدم وحواء حتي وقتنا هذا.

ومع أن السبب وراء ذلك بسيط وأعلمه تمام العلم بل هو من المعلومات الأساسية ولكني لم أفكر أبدًا في ربطه بأصل الميتوكوندريا في خلايانا. التفسير وراء ذلك يكمن في كيفية حدوث تزاوج الحيوان المنوي والبويضة. فالحيوان المنوي يهاجر من الزوج إلي الزوجة عبر الرحم في رحلة طويلة وشاقة بهدف نبيل ووحيد هو تلقيح البويضة. ونظرا لطبيعة الرحلة ومشقتها فقد هيأ الله شكل وتركيب الحيوان المنوي ليناسب هذه المهمة التاريخية له في التطوع والتنازل عن نواته وما بها من جينوم كامل (٢٣ كروموسوم). فالحيوان المنوي عبارة عن رأس فيها النواة والذيل وفيه السيتوبلازم والميتوكوندريا.

وظيفة الذيل حركة الحيوان المنوي، ووظيفة الرأس حمل النواة حتي يتم حقنها في البويضة وحدوث الاندماج النووي الهائل بين نواة الحيوان المنوي التي دخلت البويضة مع نواة البويضة. وبالطبع هذا الاندماج النووي يتم بدقة متناهية وخطوات سريعة ومتعاقبة ومنظمة تؤدي إلي تزاوج الكروموسومات المتشابه من جينوم نواة الحيوان المنوي (٢٣ كروموسوم) مع جينوم البويضة (٢٣ كروموسوم). أما الذيل فلا يدخل البويضة ويبقي في الخارج ويتحلل بما فيه من ميتوكوندريا.


ميتوكوندريا حواء بقلم  د. محمد لبيب10811164827900254


وبهذا نري أن بويضة الأنثى تعتمد فقط علي الميتوكوندريا الخاصة بها والتي تنقسم بدورها انقسام تضاعفي مع كل انقسام للبويضة أثناء نمو الجنيني، وعليه نولد وكل خلايانا بها ميتوكوندريا الأم وليس الأب. ويحدث ذلك في الانسان والحيوانات باستثناء بعض الحيوانات البدائية التي ترث الميتوكوندريا من الأم والأب.

ويوجد في الميتوكوندريا ٣٧ جين معظمهم يختص بتنظيم التمثيل الغذائي لإنتاج الطاقة التي تحتاجها الخلية في وجود الأكسجين الهوائي. وبعض منها ينظم عملية تنفس الخلية وحيويتها وشيخوختها وموتها. وبهذا من الممكن تصور الميتوكوندريا كخلية بدائية داخل خلية متقدمة، حتي أن هناك نظريات قديمة تفترض أن الميتوكوندريا منشأها فيروسات استوطنت الخلية ثم تطورت.

وهكذا يقدم الينا خلق الله الدليل العلمي علي تفرد الأم وليس الأب في توريث بيت الطاقة لكل الأجيال مم الذكور والإناث منذ تزاوج سيدنا آدم مع السيدة حواء. أما الميتوكوندريا في خلايا الجد الأكبر آدم والجدة الكبري حواء فهي متفردة وأوجدها الله في خلاياهم بلا تزاوج جينومي كما حدث مع ذريتهما بعد تزاوجهما. فجينوم سيدنا آدم تكون بعد أن نفخ الله من روحه في هيكل الفخار لسيدنا آدم، وهي اللحظة الفاصلة التي تحول فيها الفخار إلي انسان مكون من اجهزة واعضاء وانسجة وخلايا معبأة بالأنوية وسيتوبلازم معبأ بالميتوكوندريا.

تحية لحواء التي خصها الله بعطائها اللامحدود لنا من الطاقة بعد أن توارثنا منها هذا المَركب الشراعي الرائع المسمى بالميتوكوندريا.

مع خالص تحياتي

د. محمد لبيب سالم


ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

إقرأ المزيد من تدوينات د. محمد لبيب سالم أستاذ جامعي واديب

تدوينات ذات صلة