قد يتصور البعض أن الفنان قارد على القيام بأمور خارقة للعادة، فهل هذا صحيح؟

هل للفنان قدرات ما وراء طبيعية؟

سأجيب عن هذا التساؤل في قسمين منفصلين: الموهبة الفنية و الدخلاء على مجال الفن.


الموهبة الفنية هي هبة ربانية، تم الحديث عنها كثيراً, و من الصعب الجزم بماهيتها و ما هي العوامل التي تؤدي لظهورها: هل هي جينية فطرية، أم مكتسبة اذا توفرت لها بيئات حاضنة أو عوامل أخرى. ليس حديثي عن هذا الأمر، إنما نقطتي هي أن الموهبة أو الميول الفنية، تشكل أرضية للفنان، يبني عليها فنه و إنتاجه، الذي لا يرتقي إلا بالممارسة. فالموهبة الفطرية وحدها لن تصنع منه فناناً عظيماً ما لم ينمّها بالتدريب المركّز. مثل الاحجار الكريمة و المعادن النفيسة التي لا تبرز قيمتها و جماليتها الا بالصقل و العناية. فالموهبة إذن قابلية فطرية تحتاج لتغذية و صقل و ليست قدرة خارقة.


أما النقطة الثانية المتعلقة بالدخلاء في مجال الفن. نحن اليوم نعيش في زمن التسويق marketing و فن عرض السلع بطريقة جذابة، بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لهذه السلع. و هذا الأمر قد بدأ منذ أكثر من قرن، مع طغيان النظام الرأسمالي و هيمنته الاقتصادية و السياسية و الإعلامية. فقد نشط سوق الأعمال الفنية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، و فتح المجال لتيارات فنية "عبثية" أن تعرض إنتاجها و يتم ترويجه على نطاق واسع. فصرنا نرى مثلاً عملاً فنياً عبارة عن حذاء بالٍ موضوع على لوح خشبي، أو مرآة مكسورة أو صندوق خشبي محَطَّم... و تعرض في متاحف عالمية و تقام مزادات يحضرها كبار المستثمرين و تباع بمبالغ هائلة.

في يومنا هذا، و بسبب منصات التواصل الاجتماعي،لم نعد بحاجة لكلفة كبيرة بل لتسويق ذكي فقط. فيأتي شخص بمظهر جذاب، يتحدث عن أفكاره "الماورائية" و يجسدها بضربات لونية عشوائية مع بعض الحركات البهلوانية مثلاً، ليقنعنا أنه يخاطب دواخل الروح و يتصل بمكنونات البشرية التي ظل عشر سنين يسعى لبلوغها. و المشاهد أو المستمع يراقب بدهشة و إعجاب ما هذا الفن العظيم!. في حين أنه مجرد دجل. قد نرى فعلاً أعمالاً فنية غريبة و ذات قيمة و وراءها رسامون كبار، لكننا في نفس الوقت سنرى أعمالاً لا قيمة لها تم الترويج لها على أنها ذات قيمةكبيرة. وحدهم المتخصصون قادرون على التمييز بين الرث و الثمين و ليس منصات التواصل الاجتماعي.


الفنان هو إنسان طبيعي، يتميز عن غيره بمخيلة خصبة و قراءة خاصة للواقع، و ملاحظة دقيقة جداً للتفاصيل من حوله (الأشكال، الألوان، الخطوط، التكوينات…) لكنه لا يتمتع بقوى ما ورائية. فلو رأيت "فناناً" يخاطب الحجارة أو اللوحة أو الجمادات، فاعلم أنه دجال أو بحاجة لعلاج نفسي.

Jihad

ألهمني ألهمني أضف تعليقك

التعليقات

مُنُذ بدأت المُقدمة اُذهلت ، فعلا كلام كليم من شخص مُدرك ما يُحدث وانتقاء ساحر للكلمات 👏🏻👏🏻

تدوينات من تصنيف وعي

تدوينات ذات صلة