" مدين لتلك الفترة التي استثمرتها في القراءة التي نسيت الكثير من تفصيلاتها، ولكن بقي تراكمها اللغوي والذهني والنفسي راسخا أحس به كلما أردت" سلمان العودة


كتب أحد زملائي ذات مرة عن فكرة التخصص في القراءة، وأنه لا ينبغي للعامل مثلا في المجال الإعلامي إلا أن يقرأ أو يشاهد إلا ما يخص المحتوى الإعلامي، بل وحتى فقط في الإعلام السياسي، فابتعد مثلا عن الإعلام التسويقي وما سواه.. 


كتب د.سلمان العودة في كتابه «لوكنتُ طيرًا»: "ما أجمل النهم من المعرفة حتى في أدق تفاصيلها، فبالعلم يظهر تسخير الكون للإنسان، والإنسان ليس أكبر ولا أجمل ولا أعظم، ولكنه الأعلم “وعلم آدم الأسماء كلها”. ومن الحكمة معرفة حال المجتمع أولا، وما يمكن أن يتقبله من الإصلاح، وتحمل تبعاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية ثانيا، ووضع خطة الإصلاح على هذا الأساس"


نعم، لابد لكل منا أن يقرأ ويبحر في كل مسموع ومقروء في تخصصه ومجاله، وأن يكون هذا ديدنه وواجبًا عليه يؤديه لئلا يضيع، وحتى على أقل تقدير كي لا يفلت منه زمام الأمور، فنحن نعيش حياةً متسارعة بشكلٍ رهيب ووحشي، لو لم نوازيه سيبتلعنا بهمجيته..


لكن ما أختلف معك أننا لا ينبغي أن نحصر القراءة، إحداهن قالت لي ذات يوم: “ينبغي أن يكون للمسلم من كل شيءٍ شيء، وأن يكون كُلًا في شيء” تخصصنا إعلام، فنكون كلًا فيه، لكن ما المانع أن يكون لنا في التربية والاقتصاد والسياسة والتاريخ شيئا من تلك العلوم؟!


علمتني هذه الفترة أن العلوم كلها ستصب في ما أتعلمه عاجلا أو آجلا، حين أقرأ في الاقتصاد أجد أني أستطيع أن أفسر أمورا كثيرة مما يحصل في عالم الإعلام ومواقع التواصل، مثلا..


أضف إلى ذلك أنك في فترة ما من عمرك تجد نفسك ملزما بالقراءة في هذا الأمر، فمثلا حين تصبح أبا تحتاج أن تقرأ في التربية، ليس لشيء سوى أنك تبر بأبنائك وتحسن إليهم بذلك، وحين تود الانتقال أو الهجرة لبلد آخر ستقرأ مجبرا عن هذا البلد وعلاقاته ببلدك الذي تسكن فيها سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو سواها لتتعرف على ما ستواجهه، وهلمّ جرّا.. 


عدا عن كونك وإن قرأت في مجالاتٍ مختلفة تجدك تقرأ ما حولك وآيات قرآنك بلغةٍ واعية تختلف عن ذي قبلها، حين قرأت كتابًا في السيرة قبل فترة كان هذا الكتاب عاملًا مؤثرًا جدًا في قلب تفكيري في ما يخاطبني الله عزوجل أثناء قراءتي.. 


نحن نقرأ يا صديق، لا ليقال عنا أننا مثقفون ونفهم، نحن نقرأ لأنفسنا قبل كل شيء، لنغير أنفسنا فيتغير حاضرنا ومستقبلنا -بإذن الله- إلى ما نطمح إليه.. عندما نشاهد على سبيل المثال فيلمًا يخص مسلمي الروهينغا، أو نقرأ عنهم، فهذا لأننا نهتم بأمر المسلمين في كل مكان كما أوصى حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وليسعى كل منا في التفكير فيما يمكن أن يقدمه لهذا العالم ليصبح أجمل، ولو كانت كلمة يقولها أو يكتبها..


أخيرًا يا صديق، أذكر ذات مرة أني سمعت من أحدهم أنه أسلم فقط لأنه شاهد مجموعة من المسلمين في بريطانيا يهتمون بحضور دروس عن السيرة النبوية، وكان يقول أن البشر عادةً يدرسون لنيل درجة في التحصيل العلمي ثم الوظيفة، من الغريب أن تجد شخصا يحث نفسه على حضور مجلس علم ليس في مجاله، لا لمكسب دنيوي إنما لأن دينه و إلهه يحضه على العلم..



التعليقات