يتمنى الكثير من الأهالي في عالمنا العربي بأن يصبح أطفالهم أطباء، كما يتمنى الكثير من طلاب المرحلة الثانوية بأن يحصلوا على معدلات عالية تؤهلهم من دخول كلية الطب. لماذا قد أترك الطب بعد أن أمضيت به عشر سنين من عمري، ست سنين من الدراسة، سنة امتياز، ثلاث سنين من التخصص والعمل في ألمانيا. 


أن تصبح طبيبا يعمل في ألمانيا، أليس هذا ما يحلم به الكثير من شباب العالم العربي؟ 


عند الحديث عن مستقبل أولادهم، فإنه لا يخفى على أحد بأن معظم الأهالي في العالم العربي (وعائلتي أحد الأمثلة على ذلك) يطمحون بأن يُتِم أبناءهم المرحلة المدرسية بحصولهم على أعلى المعدلات ليختاروا أحد التخصصات التي تأمن لهم مستقبلهم، وهذه التخصصات ستكون (بالنسبة للأهل) إما الطب، الصيدلة أو أحد التخصصات الهندسة أو شبيهاتها… 


عند محاولة فهم مصدر هذه الفكرة عند الأهل ومحاولة فهم إصرارهم على هذه التخصصات، يمكنك الاستنتاج بأن أصحاب هذه التخصصات في الزمن الماضي، الزمن الذي كان أهلنا فيها شبابا يافعين، كانوا هم (أي المهندسون والأطباء وغيرهم) هم الأعلى دخلا ومرتبة اجتماعية وسمعة وجاهاً… 


إذا سألت نفسك في يوم ما، هل مازال وضع الطبيب والمهندس في يومنا هذا كما كان في زمان شباب أبائنا وأمهاتنا؟


 أعلم بأن أي طبيب أو صيدلي أو مهندس من حديثي التخرج سيجيب عن هذا السؤال دون أن يطيل التفكير.

سيجيب بأن الواقع كما نعيشه اليوم كأطباء ومهندسين وصيادلة سيء… نعم إنه سيء، إن لم يكن كارثياً…


 بطالة، قلة فرص العمل، بل أحيانا عمل بدون راتب لمدة خمس سنين (بعد التخرج)، دوام مجحف، مناوبات لمدة 24 ساعة كل 72 ساعة وفي بعض الأحيان كل 48 ساعة في بعض التخصصات الطبية، رواتب سيئة، إهانات من قبل المرضى، وفي الكثير من الأحيان إهانات من الزملاء الأكثر خبرة... إهانات من كل أحد…


 ففي الأردن، كتبت إحدى الجرائد الأردنية في شهر سبتمبر عام 2012:


 - قال وزير التعليم العالي الدكتور وجيه عويس أن عدد الطلبة في تخصص الطب الموجودين على مقاعد الدراسة حاليا ثلاثة عشر ألفا منهم ثلاثة الاف في أوكرانيا وحدها، متوقعاً أن يشهد هذا التخصص بطالة في خريجيه خلال السنوات الثلاث المقبلة. 


إذا بحثت في الإنترنت عن بطالة الأطباء، ستجد هنالك أخبار تبدأ من عام 2012 تتحدث عن هذا الموضوع في عدة دول عربية… وكما أسمع من أصدقائي المهندسين، خريجي الهندسة حالهم أسوء بمراحل.. 


لماذا يحدث ذلك؟


ما الذي يحصل؟ لماذا تغير حال الكثير من أصحاب هذه المهنة العريقة التي لم يعرف عنها سابقا إلا برفعة الجاه وكثرة المال، لماذاوصل بهم الحال إلى ما هو عليه؟ 


المعادلة بسيطة… العرض والطلب… 


في الزمن السابق لم يكن من السهل أن يصبح الشخص طبيباً أو مهندساً أو حتى صيدلانيا، لذلك لم يكن هنالك العديد من الأطباء والمهندسين والصيادلة، وكما نعلم جميعا، فإن الحاجة لهم كانت موجودة (كما هي اليوم بالمناسبة)، أما  في وقتنا الحالي، وقد أصبح حُلم كل أسرة أن يصبح ابنها طبيبا، والوصول إلى هذا الطلب ليس صعبا كما كان سابقا، فهنالك العديد من الجامعات في كل دولة عربية تخرّج عدد لا بأس به من الأطباء، ففي السعودية كمثال، كتبت صحيفة عكاظ في 2018 بأن عدد الأطباء السعوديون العاطلون عن العمل وصل ما يقارب الستة آلاف طبيب، السنة التي يتوقع فيها أن يصل عدد خريجي كليات الطب إلى 3200 طبيب لينضموا إلى زملائهم…المشكلة هي بأنه مع الأعداد الهائلة من خريجي كليات الطب، لم يتغير الطلب عليهم، فعدد المرضى لم يتغير، ولكن ما ازداد هو عدد الأطباء فقط.. فأصبح للكثير منهم لا حاجة!


 لن يزيد عدد المرضى إذا زاد عدد الأطباء… قاعدة بسيطة تكسر كل شيء


لا أقصد بما كتبت إلى الآن الذم بتخصص الطب والهندسة وغيرها فهي كانت ومازالت تخصصات عريقة، وأعلم بأن الكثير من طلبة الطب والهندسة في جامعاتنا اليوم، وبأن الكثير ممن يحلمون أويطمحون إلى دراسة هذه التخصصات سيغدون ناجحين ومتفوقين جداً في مجالاتهم وبأنهم سيصلون إلى الحياة التي يرغبون بها... ولكن ما أسمو إليه هنا هو نشر الوعي بأحد وجوه الواقع الذي نعيش به في هذا الزمان…. وجه يتجاهله الكثير. 


حياتي بعد التخرج:


بسبب إدراكي لهذه الحقائق، اتخذت قراراً واضحاً بعد تخرجي من الجامعة، إما العمل كطبيب خارج الأردن (ألمانيا أو أمريكا) وإما البحث عن مجال آخر للعمل به، مجال يمكنني من أن أكون مستقلاً مادياً، ألا أطلب مصروفاً أو ديناً من أحد لأعيش حياتي كما أرغب.  


بعد تخرجي، وكعديد من خريجي كلية الطب الراغبين بالعمل خارج الوطن العربي، بدأت بالدراسة لامتحانات الإقامة الأمريكية بالإضافة إلى تعلم اللغة الألمانية. تعلم اللغة كان شيئا مسليًا. استمتعت به، شعرت بأنها ستمكنني من اكتشاف ثقافة جديدة وطريقة تفكير جديدة.


 خلال دراسة اللغة، قمت بإنشاء شركة جديدة مع أحد أصدقائي الضالعين في مجال ريادة الأعمال، وهنا بدأت ان استكشف قصص أخرى وعالم أجبرني على اتخاذ الكثير من القرارات التي غيرت مجرى حياتي، الكثير من القرارات التي لم يوافق عليها أهلي، ولكنني مضيت بها. 


كان عُمْرُ هذه الشركة سنة واحدة، أدركت في نهاية تلك السنة بأن الشركة ستفشل، وبأنني تعلمت الكثير! 


بعد فشل الشركة كان خيار الذهاب إلى ألمانيا هو الأكثر جاذبية. بلد جديد، سفر إلى دول أوروبية مختلفة، التعرف على ثقافة وعالم مختلف، راتب مجزي والبدء في التخصص ببلد يعتبر من البلدان الأفضل في العالم. كل ما يحلم به طبيب عربي حديث التخرج بالرابعة والعشرين من عمره. 



 بداية التخصص:


بدأت هنالك بالتخصص بقسم الطب الباطني، عملت في ذلك القسم لتسعة أشهر قبل أن تحدث المكالمة التي غيرت حياتي.  


المكالمة مع صديقي الذي أنشأت معه تلك الشركة التي فشلت، صديقي محمد. 


  • أنا: مرحبا محمد


  • محمد: كيف الحال


  • أنا: بخير


  • محمد: كيفك أنت


  • أنا: بأحسن حال


  • محمد: كيف العمل بألمانيا


  • أنا: إنه لطيف، ولكنني أدرك مع الوقت بأنني لن أكمل حياتي كطبيب


  • محمد: لماذا؟


  • أنا: أريد أن أصنع أثرا


  • محمد: كيف؟


  • أنا: أريد العودة إلى الأردن 


  • أنا: أريد أن أصنع أثرا


  • محمد: ممم


  • محمد: ما رأيك بأن تعود إلى الأردن وتعمل في معنا في مجال الإنترنت؟


  • أنا: ماذا سأعمل؟


  • محمد: نستكشف سوية


  • أنا: أعود إلى الأردن وأترك ألمانيا؟ 


  • محمد: نعم


  • أنا: دعني أدرس الموضوع


  • محمد: تمام


  • أنا: سأحتاج إلى بضعة أسابيع. 


  • محمد: تمام


انتهت المكالمة... وبدأت عاصفة من الأفكار... وفي تلك الليلة، لم أستطع النوم...



خلال تلك الأسابيع كنت مشغولاً بسؤال واحد، سؤال بسيط، ، صعب، سؤال، ورغم بساطته، لم يخطر ببالي مسبقًا...


 ماذا أريد؟ 


في البضع سنين التي سأعيشها على هذه الأرض، ماذا أريد؟ 


لم تكن الإجابة على هذا السؤال سهلة، فهنالك العديد من الخيارات، أن أصبح طبيباً، أن أصبح أفضل طبيب باطني في العالم، أن أصبح أفضل جراح قلب، أن أصبح أفضل طبيب متخصص في الطب النفسي الحديث في الوطن العربي، أن أنشأ مؤسسة طبية حديثة، أن أجعل حياة العديد من المرضى أفضل، أن أعمل في شركة تكنولوجيا، أن أملك الكثير من المال، أن أكون مشهوراً، أن أسافر حول العالم… لماذا أريد أن أعرف ماذا أريد؟ هل يعرف كل شخص ماذا يريد؟ كيف قاموا بذلك؟ متى؟ ماذا أريد؟ 


المميز في ريادة الأعمال والأعمال المرتبطة بالإنترنت هو القدرة على الوصول إلى أعداد هائلة من الناس في سرعة تكاد تفوق الخيال.. فكل من لديه هاتف متصل بالإنترنت يمكنك الوصول إليه…135 مليون مستخدم عربي في عام 2014 (ما يقارب 200 مليون مستخدم في عامنا هذا) يمكنك الوصول إليهم والتأثير على حياتهم بدقائق، فكرة مرعبة، كبيرة، وطموحة… هذا ما أريده، بالتأكيد. أريد أن أصنع أثراً كبيراً، أثراً في حياة الملايين، بأسرع وقت ممكن.


 ولكن هل سأخاطر بكل ما أملكه الآن؟ هل سأترك الطب؟ كل هذه السنين؟ وإن فشلت في هذا المجال؟ هل سأخسر كل شيء؟ هل تلك المؤسسة التي سأعمل فيها ستكون فعلا مجزية مادياً؟هل سأتنازل عن الراتب الذي أملكه اليوم في ألمانيا لأعمل في شركة لا أعلم أن كانت ستستطيع دفع راتبي لأشهر عدة؟ ماذا عن السفر؟ هل سأغامر بكل شيء لشيء مجهول؟


 بعد ما يقارب الشهر، هاتفت صديقي لأخبره بأنني اتخذت القرار...


سأعود إلى عمان، سأتخلى عن الطب، لأكمل المسيرة معه، أخبرته بأن ما أريده فعلاً في هذه الدنيا هو أن أترك أثراً، أكبر أثرٍ ممكن على الآخرين.


لكنني لن أغامر بكل شيء، كيف ذلك؟ لنقم بعمل تجربة، أخبرته، لنرى إن كنا نستطيع العمل سوية، سآتي إلى عمان لستة أشهر، نعمل فيها سوية ثم أعود بعدها لممارسة الطب، أن كانت التجربة جيدة، أعود إلى عمان بعد عامٍ آخر وأتخلى عن الطب لبضع سنين أخرى، وربما إلى الأبد. 


أريد أن أعود للطب لأحصل على خبرة تكفيني للعودة للمجال الطبي في حالة حاجتي له، أريد أن أشعر بأنني أملك خطة بديلة قوية، سآتي إلى عمان لفترة طويلة بعد ذلك، سأترك المشفى الذي أعمل فيه، وأتخلى عن آخر عشر سنين من عمري. لأحاول أن أصنع أثراً! ربما أنا مجنون، ربما نحن الإثنين مجانين... وربما لا! 



كنت أعلم بأن ما سأفعله يعد مخاطرة، لذا بذلت جهدي لأن أجعلها مخاطرة محسوبة، إن فشل ما سأفعله بعد اتخاذي لهذا القرار، فخطتي البديلة قادرة على ألا تجعلني أخسر كل شيء… 


كان صديقي متفهما… 


لم يكن أهلي على علم بما يدور في خاطري، إلى أن صعقتهم بالخبر… سأترك الطب، وأترك ألمانيا وأعود إلى عمان. هكذا تلقوا الخبر، وكانت الصدمة.

 سأعود هذه المرة لستة أشهر، ثم سأعود إلى ألمانيا، لأعود للعمل كطبيب ولكن سأختار الطب النفسي للأطفال كتخصص.  


كانت تلك الصدمة الثانية لوالدي، أب عربي، يريد أن يفخر بابنه الجراح أو طبيب العيون، طبيب الأعصاب، أو أي شيء من تلك الكلمات الرنانة التي يحب أن يتفاخر بها أي أب عربي عندما يسأله أحدهم عن ولده، كنت قد خذلته.


 في كل مرة يخبرني فيها والدي بأن الطب النفسي ليس تخصصا جيدا، "أطمئنه" بأنني لن أكمل في الطب النفسي طول عمري، فإني قد قررت أن أترك الطب تماما! لم تكن جملي هذه بأكثر الجمل المطمئنة، ولكنني لم أرغب بأن أزرع له أملا كاذباً، حتى وإن أراد هو ذلك...


 ومَضَيت.


 لن يكون صعبا على أي عربي يقرأ أسطري هذه بأن يتخيل حجم الصدمة التي تلقاها والدي، ابني الطبيب الوحيد بين إخوته الأربعة، درس الطب لست سنوات، أمضي سنة امتياز، تعلم اللغة الألمانية ليتخصص في ألمانيا سيترك كل شيء لماذا؟ من أجل موقع على الإنترنت؟ هل سحره أحد؟ أم وقع على رأسه ففقد عقله؟ 


لم يكن ذلك سهل الهضم، ولا سهل الفهم... رجل عربي في عمر الخامسة والستين. رجل عربي بأفكار عربية، ولكنه (ولحسن حظي) يعرف معنى الحرية، يعرف بأنه عند اتخاذي لقرار سيء، وإصراري عليه، فعلي أن أمضي به قدما، ليس لشيء، ولكن لأتحمل عواقبه بنفسي، ولأدرك لاحقا كم كان هو على صواب. 


ولكنه،على الأقل هذه المرة، لم يكن. 


ها قد مرت أربعة أعوام على ذلك القرار. مَضت أول ستة أشهر في هذه الشركة، ثم عدت لألمانيا لأعمل كطبيب في الطب النفسي للأطفال والمراهقين لمدة سنة ونصف ثم عدت لعمان مرة أخرى، وها أنا في عمان، أعمل في قطاع الإنترنت وقد مر على ذلك أكثر من سنتين في نفس الشركة. تعلمت منها الكثير... وهنا أريد تلخيص ما تعلمته بالنقاط التالية، (لأكتب عن بعضها بالتفصيل في مقالات لاحقة):


1- ستعيش على كوكب الأرض بضع سنين، ماذا تريد أن تنجز قبل أن تموت، فإنك ستموت يوما ما وأنت تعلم ذلك ولكنك تنسى... فأجب لنفسك بنفسك عن هذا السؤال، ماذا تريد أن تنجز قبل أن تموت؟


2- جواب هذا السؤال ليس سهلا، خذ وقتك وجرب كل شيء قبل أن تأخذ لنفسك جوابا نهائيا.


3- لا تخاطر مخاطرات في حال خسرتها تخسر كل شيء، خذ وقتك في بناء خطة بديلة، يجب أن تكون خياراتك إما ممتازة أو رائعة، لا تتنازل عن هذا!


4- تعلمت بأنني أن لم أجرب شيء أخر فسأصل لما وصله غيري… وأنني لم أكن راضيا عما وصله غيري.


5- أعلم بأن زماننا يختلف عن زمان آبائنا، وأن زمان أولادنا لن يكون مثل زماننا، لا تتوقع بأن ما ينجح في وقتنا هذا سينجح بعد بضع سنين


6- تعلمت بأن التجربة هي الطريقة الوحيدة التي بإمكانها بأن توصلك إلى ما لم يصل إليه أحد غيرك، فأكثر من التجارب!


7- لأن في معظم هذه التجارب مخاطرات فاعمل جاهدا لتقليل خطر هذه المخاطرات.


8- الخيار الذي تظنه اليوم رائعا قد يفقد روعته مع الزمن، فلا توقف البحث عن غيره.


9- القيادة مهارة أساسية لا يتم تعليمها في المؤسسات ، لن تتعلمها إلا من خلال عملك في مشروعك أو مع قائد يعرف قيمة القيادة ويشجع على تطويرها بين موظفيه.


10- القيادة أهم من الإبداع، فالقادة لديهم القدرة على جلب المبدعين ليعملوا معهم، العكس غير صحيح .