قصة قصيرة فيها من جمالية الاسلوب مايكفي لشد القارئ واندماجه النهاية تحكي عن لقاء عابر بين شاب وفتاة في مقهى

قصة قصيرة:رجلٌ حديثٌ الولادة

.

كانت ملامحها عادية ،تتوسط الجمال ولاتُفصح عنه ،لاتخفي عيوبها بمساحيق التجميل،تُضيفها فحسب ؛ نقطةٌ


 رأس سطر،عادةٌ انثوية ، مؤازرةٌ لموجةِ التجميل .

ينسدل شعرها دون اكتراث تحت كتفيها ناعماً بلون القهوة،تنحني خصلات منه تحيةلجيدها الحليبي وقامتها الرقيقة.

أتيبسُ واقفاً انتظرُ دوري في مصافحتها ، لا أرى المجموعة يُطمسون في حضورها،تتعرقُ باطن كفي ،أشدُ بها على سترتي ،تمتص ارتباكي ،تبتسم وتلاطف افراد المجموعة،أسمعها ولاأسمعهم ،يسري صوتها في أُذني ؛ همهمات حياة.

صديقة مشتركة يدعونها ، يحجزون لها مقعداً ،تتأخر ،ننفث الدخان وتثرثر الفتيات ،تدخل المكان فيتهيأ الجميع لاقترابها ،يشيرون اليها ،


انا الوحيد الذي لا اعرفها ،لم اختلط بالمجموعةِ منذ فترة ،أنشغل عنهم سذاجةً.

تهبُ مع اقترابها ريحُ صيفٍ عتيق يُزاحم روحي ويُزعزع جُذوة مدافيء المقهى .تبسُم في وجهي تناغماً مع تعريفات الاصدقاء وتبادر بيدها إلي ،تجاملُ مخبولاً يقف بين الجموع يتردد في تحيةِ امرأة ،أمد ُ يدي نحوها بعد دهرٍ من الثواني ، وأُطرق عن ابتسامتها الى ضماد ابهامها ، تطلي اظافرها بلونٍ عارٍ دافء ينسجم وبشرتها ، وتطول يدها في يدي ؛ورقة من شجرة اللوز .

تجلس بين الجميع ،تقابلني ،تبتعد عني مسافة عرض الطاولة ،ومازلتُ أحسُ كفها في كفي ؛تخبرني أن عمري بضعُ دقائق ،وأن كل مامضى وهماً او حلماً .تُعرفني الى ذاتي فأولد من جديد، أُصغي إلي وأتخبط بين طول ذاكرتي وعمري القصير ،متى إذاً كُنتُ ساذجاً أخلطُ بين الحب والتعود ،والفراغ واللهفة !

تضحك مع الجميع واضحك معها فقط ،ببلاهة ،ترمقني كلما مرت عينيها مني إثناءحديثها ،تُجامل وجودي ولا أعيه ، تبعد خصلات شعرها بتلقائية فاتنة

 ،تُصغي الى صديقي الذي يجاورها ،أنسى أسمهُ ،يسرد عليها شيئاً لايصلني ،أراقبُ انفعالاتِ عينيها مع حديثه فأحسده ،واحسد الجميع على مقدرة النطق ، ينعقد لساني في حضرتها وانا المتحدث الواثق في المجتمع ،أنتقي ردودي واحاديثي من كتب التنمية الذاتية ،تتعطل ذاتي امامها!

يوجه احدهم لي الحديث: ما سمعنا صوتك اليوم؟

ترد عليه احدى الصديقات : مممم،سرحان في حبيبة القلب.

تفضح سذاجة الماضي القريب وانا الذي قررتُ طمسه للتو .

تجاملني هي: آه جميل .

تخبرني ان الحب جميل ولاتعرف انه لم يكن قبلها .

تردف صديقة: من شروده يبدو انهما متخاصمان.

يرد عليها صديق بتهكم: يتخاصمان كل اسبوع.

يسخر الاصدقاء ملاطفة وتضحك معهم ، تنظر الي ،تتحرى في وجهي عما يقولون ، اتهرب من نظراتها بارتباك رجلٌٌ حديثُ الولادة ،اوقد سيجارتي ،انفث لفائف الدخان حول وجهي،تمويهاً لعينيها ، لكنها تسأل: لم؟

توجه سؤالها لي ام لهم ! تضطرني الى البحث عن صوتي المفقود تحت الطاولة ،بين فناجين القهوة، وفي عينيها ، يصمت الجميع ينتظرون مني جواباً لها ،

تجبر نبرتي على العودة : لأنه ليس حقيقي ، كل شيء مصنوع ومخطط له ،لاحب يأتي بالارادة .

تُبهر بي ،تهز رأسها تضامناً مع عباراتي التي نزحت مني موجة من حركة ريحها .

تطيل النظر في وجهي بعفوية ، تتفحصني ولااشيح بصري عنها ، أُربك ولااتخطاها،يمزح احدهم : اووه ومتى عرفت ذلك ؟

_ للتو

أؤكد لعينيها فتبعدها احراجاً ، بعد قليل تنصرف الفتيات لاعادة تنسيق مساحيقهن ،ولاتذهب معهن ،تترك شفتيها بلا لون ،تهب احمر شفاهها الباهت لفنجان القهوة بثقةٍ مفرطة .

ينصرف الشباب لدفع الحساب وتهيئة السيارات في مرآب المقهى ، ونظل في تدبيرالصدفة منفردين .

تضع كفها على رقبتها تحت شعرها وتشيح بوجهها عني الى شاشة التلفاز الواسعة،ارتباكاً مني او لامبالاة بي . اكتم صوت هاتفي ، التقط لها صوراً متتالية ،أُدخر حركاتها في جيبي ،دون ان اعلم بالضبط لما؟

لاقرب قسماتها كيفما شئت ،وابحث فيها عن سبب أسري ، أم لأوثق وجودها وأُثبت لذاتي إنها حقيقة ؟

يعود الجميع ونقف لتحية الوداع ،تُفرد الايادي من جديد وانتظر دور يدها .

_اوووه كيف جرحتِ؟

تسألها صديقة وهي تمسك بكفها ،يرنو الجميع الى ضماد ابهامها .

تمزح أُخرى : لابد انها كانت تطبخ لزوجها .

تدور المزحة حولي ،مزعجة مدوية ، سأنصرف قبل اثباتها ،تتفوه وسط ضحكتها ،وانتظرمنها النفي : نعم كنت اعد سلطته المفضلة ولم انتبه .

نبرتها الملأى بالنشوة تملأني خيبة ،أضحك مع الجميع بهيستيريا ،وأصلُ الى كفها،أجرح بين اناملها ولاترى الدماء التي تغرق تحية وداعنا وخاتم زواجها الذي لم ألحظه لفرطِ تيهي.


سرور البياتي

اضفني على الانستغرام* @suror_albayati


تدوينات من تصنيف محتوى أدبي

تدوينات ذات صلة