لايصل إلى الحقيقة من يتحدث عنها..بل من يبحث عنها ويستمع إليها ويتفاعل معها..


تعج المنظمات بالأسرار مهما حاولت جاهدة تعزيز الشفافية بالتواصل المستمر. ليس بالضرورة أن تكون تلك الأسرار عميقة أو خطيرة، بل قد تكون عبارة عن مواضيع لايشعر أفراد المنظمة بالارتياح للحديث عنها ويفضلون عدم خوض حوارات فيها لأنها قد تكون معروفة المآلات. أو قد تشمل بعض التفاصيل الصغيرة التي تعترض أداء الأعمال اليومية ويشعرون أنها لا تستحق الذكر ، بينما هي تكدر صفو أذهانهم وتشتت تركيزهم نتيجة تكرارها وتراكمها. 


رغم حرص المنظمة على التواصل وإزالة الحواجز التي قد تعيقه، باتباع سياسة الأبواب المفتوحة، تستمر الأسرار في التراكم حتى تظهر أحيانًا على شكل انكشافات أو مواجهات مفاجئة، مما قد يجعل المسؤولين في حيرة من أمرهم وهم يرون الأبواب المفتوحة لايلجها أحد، أو يدخل منها أفراد محدودون بشكل متكرر ، أو قد يجرب بعضهم دخولها ليخرجوا منها سريعًا دون عودة.


أولاً وقبل كل شئ..لاتعني سياسة الباب المفتوح انتظار من سيأتي ليشكو أو يقترح أو ينبه فقط، بل تعني أيضًا الذهاب إليه والاقتراب منه وحثه على البوح. إحدى تلك الوسائل هي السؤال وما يليه من ردود الأفعال التي قد تساعد الحوار على الاستمرار للوصول إلى العمق أو الوأد في المهد. من أكثر أساليب الوأد شيوعًا هي المقاطعة المبكرة للحوار بنّية توضيح الأمور والإسهاب دون تعمد في الشرح والتوضيح، والتي تشتت تسلسل الحوار وتعيد المتحدث إلى مقعد المستمع المريح من جديد. يقابل المقاطعة المبكرة الاستغراق في الاستماع دون تساؤل أو تعقيب أو تلخيص من المتلقي ليعكس تفاعله مع الموضوع مما يجعل المتحدث في حيرة وقلق. لذا يُعد الصمت، عكس مايعتقد ممارسيه، مقاطعة صامتة تعيق استمرارية التواصل و تؤدي مع الوقت إلى تثبيط المعاودة والتوقف عن المكاشفة. 


يؤثر كذلك أسلوب التفاعل مع المتحدث على جودة واستمرارية التواصل من جميع الأطراف، فالمزاح أو التندر الذي قد يقصد به تخفيف حدة التوتر في أوضاع معينة، قد تكون له آثار عكسية غير متوقعة على المتحدث والمستمع، كما أن نبرة الصوت و حركة اليد و إيماءات الوجه و وضعية الجلوس تؤثر عليه إيجابًا أو سلبًا. 


المقاطعة المبكرة للحوار لتوضيح الأمور والإسهاب دون تعمد في الشرح والتوضيح، فتشتت تسلسل الحوار وتعيد المتحدث إلى مقعد المستمع المريح من جديد..


مما يعيق جودة التواصل الفعال أيضًا وجود القناعات الراسخة حول بعض المواضيع المؤسسية التي تحتمل أكثر من رأي، والتي يتوجب على المنظمة مراجعتها مع مرور السنوات وتغير الظروف والأحوال والأجيال العمرية فيها. يؤدي شيوع تلك القناعات والمواقف وردود الأفعال في المنظمة إلى ترسيخ معتقدات ضمنية تتجنب فتح بعض المواضيع بها، تجنبًا للإحراج أو الأحكام  أو الأوصاف التي قد تصدر على من يجرؤ على فتحها، فتصبح من المواضيع المسكوت عنها، والتي إن طالت قائمتها، يسود الصمت وتتعطل لغة الحوار حول ماهو مهم وجوهري، و تتوسع دائرة المواضيع السهلة المريحة وحواراتها السطحية التي لاتنتهي. 


يتطلب التصريح بما يدور في الذهن اتخاذ قرارٍ واعٍ شجاع أصعب بمراحل من قرار الصمت الوقائي التلقائي. تستند تلك الشجاعة على شعور بالأمان النفسي المكتسب و الهش في نفس الوقت، والذي يجب أن لا تعول عليه المنظمة كثيرًا، بل عليها أن تعززه وترعاه ببناء وصيانة قنوات التواصل المزدوجة الاتجاهات، بالسؤال المستمر والتفاعل البناء والأجواء المحفزة وتوسيع نطاق دائرة المواضيع المتاحة للنقاش. 

إقرأ المزيد من تدوينات رأفت محمود زيني

تدوينات ذات صلة