فتاة في مقتبل العمر تقول (أسوأ لحظات يومي هي تلك اللحظة التي أعود فيها إلى المنزل") ونقول نحن انه حينما تخرج هذه العباره من أحد الشباب الذكور يتبادر إلى أذهاننا أنه الشباب و المراهقة و الرفقاء ونحو ذلك، باعتبار أن الذكور في مجتمعنا العربي (الذكوري) يميل في مرحلة ما من عمره إلى الشلّه و الرفاق و تكوين الأصدقاء وهذا أمر طبيعي في هذه المرحلة العمرية.


لكن إذا خرجت هذه العبارة من فتاة، فإنني أعتقد جازماً أنّ الأمر سيكون مختلفاً تماماً؛ فالفتاة الشرقية أو العربية صاحبة الصون والعفاف لا يليق بها أن تخرج لتكوين الشلة و الإلتقاء بها وقتما تشاء؛ فهي فتاة مصانة رزينة تغبط على حشمتها و انوثتها. إذاً ما الأمر الذي دفع تلك الفتاة ابنت الواحد والعشرون ربيعاً إلى هذا الكلام حينما وجهته يوماً لأحد المحاضرين في جامعتها


.ببساطة، قالت لي يوماً إحدى الفتيات حينما كنت أقدّم محاضرة حول معاناة أسر المدمنين بسبب إدمان أحد أفرادها "والله انه أسوأ لحظات يومي هي اللحظة التي أعود فيها إلى المنزل" أطلقت تلك العبارات و الدموع تملأ عينيها والانفعال يبدو جلياً من نبرات صوتها. وحينما سألتها عن السبب بعدما دارت الظنون في نفسي ونفوس الحاضرين بأن الأمر مرده إلى ضيق حال أو أب مستبد ظالم أو أم معتدية أو ما شابه ليتجلى الموقف أمامنا حينما أطلقت رصاصتها الثانية قائلة "لأني ببساطة مش أمينه على نفسي من إخواني الاثنين مدمني المخدرات"، و أردفت قائلة: لي من الأشقاء أربعه، الأول بعمر الرابعة والثلاثون و الثاني يصغره بثلاثة اعوام، و اثنان بعمر السابعة و الرابعة عشر. أدمن شقيقيّ الاكبر و الذي يليه المخدرات و أصبحا مصدر رعب و قلق للأسرة و العائلة و الحي بأسره. حاول والدي عشرات المرات ثنيهم عن هذا السلوك لكن بلا فائدة، رغم أن والدي لم يترك أي باب ولا أسلوب إلا واتبعه في سبيل تخليصهم من هذا السم الذي يتجرعونه ونتجرع مرارته معهم، بل أكثر منهم، و هم لا يشعرون. مَرِض والدي و أصيب بجلطة قلبية بسبب سوء الأحوال وضنك الموقف، فلم يعد يقوى والدي على الخروج من المنزل بسبب كلام الناس الجارح و نظراتهم المؤلمة. لم يُمهل المرض والدي طويلاً، ففي ليلة من الليالي عاد أشقائي إلى المنزل و هُم في حالة يرثى لها من المواد التي كانوا يتعاطونها وهي بالمناسبة مادتي (الحشيش و الكبتاجون المخدر) حتى ارتفعت الأصوات و امتلأ المنزل بالصراخ بينهم و بين والدي ووالدتي حتى سقط والدي على الارض مغشياً عليه ليتم إسعافه إلى المستشفى، و لكن وصل والدي متوفياً.


كنا نظن أن تسببهم بوفاة والدي سيجعلهم يعيدا حساباتهم مع أنفسهم و أنهم سيتركون الإدمان، ولكن لم يكن ظننا في مكانه بل على العكس، لقد ازداد الامر سوء! علماً انهما لم يحضرا العزاء بل كانا يكتفيان بالحضور لمدة بسيطه لا تتجاوز الساعة أو الساعة و النصف فقط ليغادرا العزاء إلى أوكار التعاطي دون أي رحمة ولا شفقة و لا حتى حياء من الناس.


وتابعت تقول في يوم من الأيام عاد أشقائي إلى المنزل مع ساعات المغرب و معهما شخصين آخرين يريدان السهر في منزلنا، علمت امي بذلك و حاولت منعهم و وقفت في وجه أشقائي و حاولت طردهم و طرد أصدقائهم من المنزل و لم يخطر ببالها أن يتطاول ابنها عليها بالضرب و السباب بألفاظ نابية قبل أن يقوم هو بطردها من المنزل قائلاً لها "هذيك دار ابوكي روحي عليها...هاي دار ابونا". ومنذ تلك اللحظة تحول بيتنا إلى وكر لتعاطي المخدرات فلا تكاد تخلو ليلة من وجود أشقائي و أصدقائهم المتعاطين في منزلنا. و في ليلة مشؤومة، و أثناء أن كنت في غرفتي، خرجت منها إلى المطبخ عند الساعة الرابعة فجراً لأتفاجأ بشخصٍ غريب جالس في الصاله يحاول الاعتداء علي، وحينما صرخت بوجهه علا صوته فخرج أخي من الغرفة عندها شعرت بشيء من الاطمئنان لقدومه، و لكن حدث ما لم اتوقعه حينما صفعني على وجهي قائلاً لي "انتي ليش طالعه من غرفتك" حينها أظلمت الدنيا في وجهي و أيقنت أن حالنا أصبح في وضع يرثى له.


شقيقي سندي و عزوتي، ملجأي و ملاذي بعد الله تعالى، أصبح يقف في صف صديقه ضدي بعد أن حاول ذلك الخبيث الاعتداء علي! لم يعي شقيقي أن صديقه حاول تدنيس عرضه و النيل منه، لم يعي شقيقي أنه تجرد من غيرته ورجولته، لم يعي شقيقي أنه أصبح كالحيوان بل أضل سبيلاً.


و ختمت قائلة: "عرفتوا ليش اسوأ لحظات يومي هي اللحظة التي أعود فيها الى المنزل...؟!!"